أبو الحسن العامري
407
رسائل أبو الحسن العامري
- كما أن نور الدين جعل لذوي السياسة مركبا ؛ كذا نور التنزيل جعل للحكماء مركبا ؛ ونور الالهام [ جعل ] لذوي التدبير مركبا ، ونور التوفيق [ جعل ] لذوي الاجتهاد مركبا ؛ ونور الحرية [ جعل ] لذوي الجود مركبا « 30 » . - إنّ الطبع ، لأجل محبته اللذيذ ، يسوق البدن عن النقص العارض إلى كماله الأخصّ به ؛ وكمال البدن الصحة والقوة . والعقل ، لأجل محبته الفضيلة ، يسوق النفس عن النقص العارض لها إلى كمالها الأخصّ بها ؛ وكمال النفس الحكمة ، والفضيلة . - ومحبّة الطبع للّذيذ يكون قويا جدا ، وليس للإلف والعادة في تقويته كبير معونة . فأما محبة العقل للجميل فإنه يكون بذاته ضعيفا جدا إلا أن للإلف والعادة في تقويته معونة عظيمة مفرطة . واللذيذ متى كان قبيحا ثم عشقه الطبع بالافراط ، واستحوذ على العقل بالغلبة ، عميت النفس عن قبحه ، وتصورته بصورة الحسن . والجميل متى كان مؤلما ، ثم عشقه العقل بالافراط ، واستحوذ على الطبع بالغلبة ، صار الأمر بالعكس . ومتى اتفق للشيء الواحد أن يتعلق به كمال أحدهما وعرض له نقص الآخر فهناك يفتقر إلى القوة التدبيرية ، والشريعة « 31 » الالهيّة « 32 » . - إنّ العبد الأفضل لا يختار الفعل الأحسن الا لأحد أمرين : إما أن يستجلب به أشرف القنيات لأشرف الأغراض ؛ وإما أن يستصلح به أشرف الجواهر لأشرف القنيات . والسعادة العظمى أشرف الأغراض ، فالأفضل من العبيد لا يسعى الا له ، ولا يدوم الا عليه . ومهما علم أن الأحد ، الحقّ - تعالى وتقدّس - هو المنفرد بتقويم ذاته وإتمام تثقيفه ، فإنه يجرّد المحبة ، ويخلص العبودية ، ويلازم النظر إليه ، والاعتصام بحبله ؛ بل لا يسكن الا إليه ، ولا يأنس الا به ، ولا يتقوى الا بمعونته ، ولا يؤثر غيره عليه ؛ فيصير هو بعينه ، لفرط الاتصال به ، والتقرّب اليه ، عقلا خالصا ، وحقا محضا ، وروحا صافيا ، ونورا إلهيّا ، فيطّلع على جميع ما في العالم إلهاما ، ويغتبط بالاحتواء على ما فيه من الحكم إكراما - وذلك هو الكمال الحقيقي للجوهر الانسيّ . - من فاز بشرف الملك فإنه يصير مغتبطا بالعوام ، ممتحنا في نفسه . ومن فاز
--> ( 30 ) مسكويه : الحكمة الخالدة ، ص 351 . ( 31 ) ص : وللشريعة . ( 32 ) مسكويه : الحكمة الخالدة ، ص 352 . وهذا هو آخر النص الذي نقله مسكويه من « النسك العقلي » . أما بعد هذا الموضع فينقل من كتاب « الأمد على الأبد » ثم « النسك العقلي » ف « الاعلام بمناقب الإسلام » ، فكتاب آخر لم يصل الينا ؛ ثم يعود إلى « النسك العقلي » .