عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري

253

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة

وأوساطها « 1 » التي هي الصراط المستقيم تسمّى باسام ثلاثة : « الشّجاعة » لوسط القوّة الغضبيّة ، و « العفّة » لوسط القوّة الشهويّة ، « والعدالة » ، لوسط القوّة المدبّرة . ومجموعها يسمّى باسم « الحكمة العملية » . فهذا هو نوع التزكية التي أحد نوعي المجاهدة الروحانيّة المعنىّ بقوله ، تعالى : « وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ » . وقد اشتمل على تفاصيلها ومعرفة ماهيّاتها وكيفيّة معالجاتها ( م 188 پ ) علم الاخلاق ، ويسمّى طبّا روحانيّا . واما نوع التحلية فهو انّما يحصل بتحصيل الفضائل والمعارف الحكميّة النظريّة . وقد أشرنا إليها في هذا الكتاب ما فيه مقنع ( b 285 ) وبلاغ . ولكلّ واحد من نوعي الحكمة فائدة خاصّة به لا توجد في صاحبه . كما أن فائدة شرب الماء الارواء ، وفائدة اكل الخبز الاشباع . ومن المحال ان يوجد الارواء من اكل الخبز ، والاشباع من شرب الماء . اما فائدة التزكية فخروج النفس الناطقة من أرجاس القوى رحيضة « 2 » نقيّة صافية صفيّة ، كما يخرج الثوب من يد القصار بعد قصارته وتحويره في أطوار متعدّدة ، تارة بالماء والنار ، وطورا بالحتّ والقرص ، ودفعة بالعصر والدقّ . وكذا الجلد المدبوغ بعد نزغ الفضلات بالأشياء الحادّة . اما فائدة التحلية فهي اتّصاف النفس بالأوصاف الجليلة ، والتخلّق بالأخلاق الالهيّة الجميلة ، حتّى تصير ( 117 ر ) مرآة مجلوة ، وصحيفة متلوّة يشاهد فيها صور الوجود كلّه على شكله ، واستنارته وهيئته واستدارته . فحينئذ تصلح لنظر عين الجمال المطلق الّتي لا تنام ، صاحب الجلال والاكرام . ( a 286 ) فان اللّه لا ينظر إلى صوركم ، بل ينظر إلى قلوبكم . ومن هذا يعلم أن المقصود بالذات من الرّياضتين « 3 » النفسانيّة دون الجسمانيّة . وما أحسن قول الفيلسوف الأعظم أبى على الحسين بن عبد اللّه بن سينا ( م 189 ر ) في هذا المعنى ، حيث يقول : هذّب النفس بالعلوم لترقى * وترى الكلّ فهي للكلّ بيت انّما النّفس كالزجاجة والعقل * سراج وحكمة اللّه زيت فإذا أشرقت فأنت حي * وإذا اظلمت فأنت ميت

--> ( 1 ) - ر م : أوسطها . ( 2 ) - ر : رخيضة ، م : رخصة . ( 3 ) - رياضتين .