عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري
238
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة
حتّى تشعر به . وهذا كما أن الصّحة إذا استقرّت لا يشعر لاستمرارها ، وكذا داء الدقّ إذا تمكّنت في جوهر المزاج ، صارت كأنها حالة طبيعيّة . فالدوام المقرّر والمخدّر المكدّر يخرجان القوّة الدرّاكة الحسّاسة عن الشعور بالموذى والملذّ . ولهذا لا يتألّم الجاهل بجهله ، ولا العالم بعلمه ، حتّى كشف عنه غطاء القوى ، فيومئذ يقال له « اقْرَأْ كِتابَكَ ، كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً » . فاللذّة والألم حاصلان لكلّ حيّ من الاحياء ، بحسب ما يوافقه ويخالفه . لكن لكلّ واحد من الاحياء شئ خاص يلتذّ به لا يشاركه فيها غيره ، بل يتألّم منه ، وشئ يتألّم به خاصّ له ، دون غيره ، بل يلتذّ به كالجعل ، مثلا يلتذّ برائحة الجعص « 1 » ويتألّم من رائحة الورد ، والبلبل بالعكس منه . وكذا لكلّ ( b 268 ) حسّ من حواسّ الحيوان ، فللبصر ما يتعلّق بالألوان والأضواء ، وللسّمع ما يتعلّق بالأصوات والحروف ، وهكذا . وإذ قد ثبت ان اللذّة هو الادراك ، وكذا الألم ، فعلى هذا كل من الاحياء إذا تصوّر الخير والكمال لذّاته يلتذّ به ، وإذا تصوّر الشرّ والآفة لها يتألّم منه . فللنفس الانسانية لذّة في معرفة المعقولات ، إذ هي امّها ، خلقت من اجلها ، فلا تسكن الا بها ، ( م 177 پ ) وتلك المعرفة هي معرفة المبدأ والمعاد ، وقد عرفتها . وهما معدودان مفصّلا في قوله ، تعالى : « وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ » ، هما المبدأ ، وكتبه ورسله ، ( 112 پ ) هما المعاد . وألمها في الجهل بها ، إذ جهلها مناف لطباعها ، فيتالّم به . ولكون الجهل ظلمانيّا مولما ، وكون العلم نورانيّا مبهجا ، قال اللّه ، تعالى : « يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ » . ومهما كانت معرفته بالحقائق أكثر واجلى ، كانت ( a 269 ) درجته ارفع وأعلى ، ولذّته أوفى واصفى ، وبهجته أبقى واتقى . وفي الجهل بالضدّ من ذلك . فتراكم الجهلات يضعف العذاب الأليم ، كما قال : « كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ، لِيَذُوقُوا الْعَذابَ » . فالجهل سربال القطران وجلد الأرواح والأبدان .
--> ( 1 ) - م : الجعس . هامش : الجعس الرجيع ، مولد ، الرجيع الروث