عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري

234

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة

قيل : القدرة الواحدة صالحة للضدّين . فامّا إذا تهيّأت لقبوليّة احدى الصورتين ، يسمّى هذا التهيّؤ استعدادا ، فهو اذن اخصّ منها . ومن هنا قيل : القدرة الواحدة غير صالحة ( م 174 ر ) للضدّين . وأنت تحدس من هذا الفرق ان النزاع ليس في شئ . ثمّ بعد ذلك ، إذا صارت الأشياء عنده مشاهدة مستقرّة ، كأنها ملكة مستمرّة ، وهذه انّما تكون إذا خلصت عن تعب الفكر ، يسمّى عقلا مستفادا ، اى علما مستفادا ، وهو نور على نور ، اى نور العلوم على نور النّفس . إذ كل هذه المراتب الأربع أنوار ، من حيث إنها ظاهرة لذاتها مظهرة لغيرها ، ولا معنى للنّور الا ذلك . ولما كانت هذه المراتب لبعض الناس بالضد ممّا ذكرنا ، وهو الجهل ، لا جرم عبّر القرآن بقوله : « ظُلُماتٌ بَعْضُها ( 109 پ - 263 b ) فَوْقَ بَعْضٍ » . فالاوّل مثال قلب المؤمن ، وهو القصر المشيّد ، والثاني مثال قلب الكافر ، وهو البئر المعطّلة . وقد يقال نور الشرع على نور العقل وقد يقال نور النقل على نور الفرض ، والكل متقارب . وهذه المرتبة الأخيرة ، اعني القوّة الّتي هي كالمرآة المجلوّة المكشوفة لها صور الحقائق العقليّة كما هي ، هو الرّئيس المطلق والحاكم المقسط المستحقّ للخلافة والسلطنة في ارض اللّه المقدّسة ، وعلى الخربة المنجّسة المقصود من خلق الانسان . وهو آخر درجة الكمال الانساني متّصلا باوّل مقام الملك ، وبه صار النبي ، صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، أفضل البشر وخاتم الأنبياء . وللانسان باب باطنه فيه الرحمة ، هو هذا المقام ، وظاهره من قبله العذاب ، وهو صورته الهيكليّة ( م 174 پ ) الخازنة للقوى الثّمانية الطبيعيّة ، وقوّتى الشّهوة والغضب ( a 264 ) اللّواتى هي خزنة جهنّم ، « أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ » . والمراتب الثلث : الاوّل سدنة هذا الباب الذي هو كعبة اللّه على ارضه ، والقوى المدركة والمحرّكة الّتي هما من خواص الحيوان ، كلّها خوادم لخدمها ، وسيتهيّأ له بعد تحصيله هذا المقام المحمود ووروده هذا الحوض الموعود ، العروج الروحانىّ إلى الملأ الاعلى ، واتّصاله بتلك الجواهر الشريفة ، وملازمته لتلك العتبة المنيفة . وتصوّر هذه المراتب على مثال ذبالة مشتعلة من جمرة نار ، فأول زمان الاشتعال يستنير قليلا قليلا ، ولا يزال يزداد استنارة وتلألؤا ، إلى أن يصير نورا على نور ، يهدى اللّه لنوره من يشاء .