عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري

226

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة

بوجه ماء فيستحيل ان يكون من النّفوس الفائضة منه اختلاف بالحقيقة ، لانّ اتّحاد العلّة علّة اتحاد المعلول ، لما عرفت من القاعدة القطعيّة المشهورة ان الواحد لن يصير مصدر الاثنين مختلفين قطّ . نعم التفاوت مشاهد بين النّفوس والأرواح في الاخلاق الناشية من الصفات التّابعة لمزاج البدن . لكن هذا التفاوت انّما جاء من جهة القوابل التي هي النطف والمواد . واعتبر بالشعاع الشّمسى كيف يسود وجه القصّار ويبيّض الثوب المقصور ، لاختلاف القابلين ، إذ لا خفاء انّه ليس بين اجزاء الشعاع اختلاف ما بوجه من الوجوه . بل يعتبر بالقمر كيف يحمّر أحد وجهي الورد ويبيّض وجهه الآخر أو يصفّر ، مع انّ ( b 253 ) نسبة نور القمر وتأثيره اليه سواء . وذلك الاختلاف انّما جاء لكون أحد وجهيه اقبل للحمرة من الوجه الاخر ، اما لمقابلته له ، أو لشدّة لطافته ، أو لغير ذلك من استعدادات القوابل على درجات غير محدودة ، لا يعرف كميّتها الا اللّه الذي صوّرها ونوّرها . بل هاهنا مثال آخر أوضح ممّا ذكرنا ، وهو ان الشّمس متى وقع ضوءها على حائط ( م 168 ر ) مركوز فيه الجامات المختلفة صفاء ولونا ، فترى كل عكوس الأشعة الفائضة من تلك الجامات على ألوانها اصفر واحمر وابيض ، إذ هي مثل ألوانها ، والمثال يكون على وفق صاحبه ، والا لا يكون مثاله ، مع أن الشعاع حال عن لون ما . فوضح ان الاختلافات المشاهدة من الاخلاق والصفات انّما تمّت من قوابل النّفوس لا من ذواتها . برهان آخر لو اختلفت النّفوس بالماهيّة ، حتى كانت كالجنس ، وامتازت الأنواع ( a 254 ) بالفصول ؛ فكان كل نوع منها من جنس وفصل ، وقد برهن على امتناع التركب والانقسام فيها . ولا يقال على هذا : ولو كانت أيضا كلّها من نوع واحد ، لامتازت الاشخاص بالخواص والصّفات ، فيلزم ما ذكرتم من استحالة التركب . لأنا نجيب عنه بان عروض الصفات الخارجة لا يركّب الذات ، إذ الصفة لا تدخل في حقيقة الذات ، والا ما كانت الصفة صفة بل جزء . فهذا ( 108 ر ) هو الفرق بينهما . فالاسم محض العلامة ، والصفة معنى خارج ، والجزء ذات داخلة كالفصول الذاتيّة المميّزة بين نوع الانسان ونوع الفرس ، مثل الناطق في الأول ،