عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري
202
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة
لم يدخل ( a 225 ) الجنّة ؛ فمن يباشر معاشرة اللذّة والوقاع ، ويكبّ على قضاء اوطار الجماع ، كيف ينزل عليه البعثة والرّسالة والنبوّة والبسالة ، لا اظنّك شاكّا فيه . المسألة الرابعة الكشف عن ماهية النبوّة ووجوب وجودها المسألة الرابعة في الكشف عن ماهيّة النبوّة ووجوب وجودها . قد أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، ومضت عليه برهة من الزمان ما كان معنى مفهوما مشهورا . وهذه الدعوى غانية عن البرهان . لان البدن المخلوق من النّطفة الكائنة من ذوبان مثله بسبب الحرارة المبخّرة له ، أو من الطين اللازب المخمّر بيد القدرة أربعين صباحا ، والعجين الصّلصالىّ المسنون الّذي اخنت على طينته اعصر ( 96 ر ) وسنون ، كيف يكون قديما غير مسبوق بزمان ، مع انّه لم يوجد الا مظروف الزمان والمكان ، فلا بدّ له من زمان لم يكن هو فيه موجودا ، لا بل معلوما مذكورا . وهذا مبالغة تامّة في اثبات حدوث الانسان . ثمّ بعد مرور الشهور وكرور الدهور ، خلق من نطفة ( b 225 ) أمشاج ، حاصلة على أوسط ( م 150 ر ) مزاج بين يبوسة المعادن ورطوبة النبات وحرارة الحيوان وبرودة آثار الجو . وهذه المدّة سمّاها القرآن تعديلا وتسوية ، في قوله : « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ، فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ » . وصف هو ، تعالى ، نفسه في هذه الآية بصفتين متناسبتين لتعديل مزاج الانسان : صفة الربوبيّة من التّربية ، وهي التسوية ، وصفة الكرم وهي إفاضة الانعام ، اشعارا بان هاتين الصّفتين هما المقتضيان لخلق الانسان . ولولا الربوبيّة والكرم ، ما وجد . لان هذا غير مختصّ بالانسان ، بل هو عامّ لجميع الوجود . ثمّ بعد التّسوية أفاضت عليه أنوار الحواسّ بواسطة تسليطه الحرارة الغريزية على الرّطوبة الغريزية ، لا صعادها الأدخنة اللطيفة الهوائية منها ، ليتشبّث النّفس النّاطقة بها ، وهي بها ، ( a 226 ) تشبّث النار بالذّبالة ، فينجذب كلّ منهما إلى صاحبه انجذاب إبرة حديد إلى مغناطيس جذّاب ، وانجلاب عاشق مشوق إلى معشوق شائق جلّاب . كما قال : « فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً » . خصّهما من بين سائر الحواس لجلائهما ووضوحهما . فالسّمع مسموع مشهور ، والبصر مبصر معلوم . بل البصر مسموع ، والسمع مبصر عند عين