ابن باجة
71
تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي
ثمّ ذكر بعد أن أنحاء التقدّم قد تجتمع ، إمّا كلّها وإمّا بعضها . ويقصد في المتقدّم بالسبب أنّه ( إذا ) أخذ منه ما هو متقدّم بالسبب لا غير زال اعتراض من يعتقد فيه أنّ قوله متناقض . فإنّه « 1 » ذكر أنّ من الأسباب ما يلزمه التكافؤ ومنها ما لا يلزمه التكافؤ ، ثمّ قال : « إنّها تجتمع » . وهو إنّما أخذ من الأسباب ما لا تكافؤ فيه ، وهو الذي يجتمع / مع ما بالطبع . والأمور التي تجتمع فيها أنحاء التقدّم كلّها هي كلّ الأمور التي هي أسباب فاعلة ، متى كانت أشرف من معقولاتها وأعمّ منها ، ويكون المبدأ المحدود في المرتبة هو الفاعل ، وتكون المرتبة في وجود المتأخّرات عنه في الزمان . 9 . القول في الاضطرار إلى الفصل الخامس . كلّ متعلّم صناعة بقول ، فإنّه بالاضطرار يحتاج أن يكون له قوّة على ميز دلالات الألفاظ ليتصوّر في نفسه معاني تلك الصناعة عن الألفاظ الدالّة عليها . فإنّ قصد كلّ متعلّم صناعة أن يتصوّر معاني تلك الصناعة وتحصل في نفسه ، وإلّا لم يتعلّمها ولو حفظ جميع الألفاظ المستعملة وعلمها من أوّلها إلى آخرها . وكذلك من فهم كلّ مكتوب في كتاب يضطرّ إلى فهم معاني ذلك المكتوب من اللفظ ، ومن لم تكن له قوّة على ميز دلالات الألفاظ ، لا يمكنه تعلّم صناعة بقول البتّة وكان أبهم بهيمة . وهذا موجود ولكن في الأقلّ ، والموجود في الأكثر من تفهّم دلالات الألفاظ ، فأكثر تردادها عليه منذ صغره وصرّف ألفاظه في ضروريّات أموره . ويكون في تعلّم الصنائع بقول لا يمكنه أن يفهم من الألفاظ المستعملة فيها معانيها ، إمّا لنقصان فطرته ، وهو أشدّ ، وإمّا لإهمال الإتقان نفسه ، ولم يأخذها بتلقين المعاني عن الألفاظ . لذلك يجب على كلّ من تعلّم صناعة من كتاب ( ألفاظها ) « 2 » الّا يهمل شيئا من الألفاظ المستعملة ، بل يأخذ معاني جميع الألفاظ على ترتيبها . ومتى أهمل منها معنى لفظ ، فقد نقص له فهم شيء من المقصود . 10 . وألفاظ الصناعة مركّبة من مفردات يجب فهمها ، فأعطى أبو نصر في الفصل الخامس كم أصناف الألفاظ المفردة والمركّبة على أعمّ ما يكون ، وما يدلّ
--> ( 1 ) في الأصل : فإنّ . ( 2 ) يبدو أنّها زائدة .