ابن باجة

57

تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي

قال : « وأعمّها الذي لا أعمّ منه هو الجنس العالي » ، فأعطى بهذا حدّ الجنس العالي الذي لا يكون نوعا بوجه . ثمّ قال : « وأخصّها الذي لا أخصّ منه هو النوع الأخير » ، فأعطى بهذا النوع الأخير الذي لا يكون جنسا بوجه . ثمّ قال : « والمتوسّطات التي بينهما كلّ واحد منهما جنس ونوع ، جنس بالقياس إلى الأخصّ الذي دونه ، ونوع بالقياس إلى الأعمّ الذي فوقه » ، « 1 » فأعطى بهذا جميع حدود الأجناس والأنواع المتوسّطة ، بالغ ما بلغت ، وأعطى « 2 » حدود خمسة معان على الكمال في قول واحد في نهاية من الاختصار وفي نهاية من كمال التصوّر . فإنّه أعطى حدّ الجنس والنوع بإطلاق ، وحدّ الجنس العالي ، وحدّ النوع الأخير ، وحدّ الجنس الذي يكون نوعا ، وحدّ النوع الذي يكون جنسا . ويجب أن تعلم أنّ هذه الأصناف الخمسة أخذ أبو نصر أمثلتها في مقولة الجوهر ليسهل تصوّرها ، فإنّه أظهر وأشهر في مقولة الجوهر . وكلّ ما ذكره من أمرها في الأمثلة كذلك يجب أن تؤخذ في سائر المقولات ، فنأخذ جوهر ذلك مثالا من أمر ما في مقولة الكيفيّة وفي نوع من أنواعها ، وليكن ذلك في الحرارة . ومن الحرارة الحرارة التي توجد في بدن الإنسان ، فإنّا نقول : الإنسان يوجد حارّا إمّا بحرارة غريزيّة وأمّا بحرارة غريبة ، وكلّ واحد منهما نوع تحت حرارة الإنسان . وكلّ واحد من هذين النوعين جنس ينقسم إلى أنواع بعضها تحت بعض . فلنقل في الحرارة الغريبة في الإنسان إنّها جنس متوسّط ينقسم إلى حرارة عفنة وإلى حرارة غير عفنة ، والحرارة العفنة تنقسم بانقسام الأخلاط . وكلّ واحد من الحرارة العفنة في الأخلاط ينقسم بحسب أسبابها وبحسب مواضعها وبحسب إضرارها بالأفعال ، وإلى ما لها أن تنقسم إليه ، حتّى ننتهي إلى الأشخاص المعينة المشار إليها . ولكلّ نوع منها جنس وفصل وخواصّ وأعراض ، وكذلك في سائر المقولات . فإنّ في الهندسة في الكم أجناسا وأنواعا وأعراضا ، لكنّ الأعراض الذاتيّة للأشياء أكثر ما توجد في العلوم ، ولا سيّما الإضافات في الهندسة .

--> ( 1 ) إيساغوجي ، ص 77 . ( 2 ) في الأصل : أعطى .