ابن باجة
38
تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي
الوضع أن تدلّ عليه . والكلم دلّت بذاتها على المعنى وعلى موضوعه وعلى زمانه ، إذ قصد عند الوضع أن تدلّ على ذلك . ولمّا دلّت الكلم على المعنى أوّلا وعلى الموضوع بشكلها ، قارنت في هذه الأسماء المشتقّة التي تدلّ أيضا على المعنى أوّلا وبشكلها على الموضوع ، إلّا أنّ الفرق بينهما أنّ شكل الكلمة قصد به أن يدلّ على الزمان ، ولم يقصد بشكل هذه المشتقّة أن تدلّ على الزمان . وإن كان الزمان مقترنا بها في وجوده ، فإنّما ذلك من حيث تقترن به خارج النفس ، وأمّا من جهة ما وضعت دالّة عليه فلا تدلّ على الزمان البتة ، ولذلك صارت دلالتها عليه بالعرض . والكلم قد تضمّنت أن تدلّ بذاتها على ارتباطها بالمخبر عنه متى كانت هي خبرا في القضيّة ، فإنّ القضيّة إنّما تأتلف من مخبر عنه وخبر وارتباطها بمعنى الوجود . فإذا كانت قضيّة خبرها اسم ، وأردنا أن ندلّ على ارتباطه بالمخبر عنه ، احتجنا إلى ما يدلّ على ارتباطها بالوجود في الزمان الذي فيه ذلك الوجود . والاسم ليس يدلّ بذاته على الزمان ولا على الارتباط ، بل ذلك ينبغي أن يضاف إليه ما يدلّ عليهما ، حتّى تكمل القضيّة . والتي تدلّ على ذلك هي التي تسمّى الكلم الوجوديّة ، مثل كان ووجد واشباههما . وسائر الألسنة ، سوى اللسان العربيّ ، يستعمل في الزمان الحاضر كلمة وجوديّة تدلّ على ارتباط الخبر إذا كان اسما بالمخبر عنه « 1 » . وأمّا في اللسان العربيّ فقد جرت العادة إضمارها ، وجعلوا حذفها دالّا على الزمان الحاضر ، حتّى ظنّ كثير من أهل اللسان العربيّ أنّ الخبر إذا كان اسما ربط نفسه عنه كالكلمة ، وأوهم ذلك ما رأوا في اللفظ من حذف الكلمة الوجوديّة ، ولم ينظروا إلى ما في الضمير من ذلك . 11 . قوله : « عن اثنين منها » يعني عن جنسين ، وعلى رأي من يرى أنّ القضيّة تأتلف عن اسمين فيصبح أيضا قوله عن اثنين ، يعني من جنس واحد . ولمّا كان كلامه بحسب التعليم المشهور ، ولم يقصد في هذا الموضع إلى تلخيص الحقّ في أحد الرأيين ، ذكر لفظة تدلّ عليهما جميعا .
--> ( 1 ) يصدق ذلك على اللغات الآريّة ( ومنها اليونانيّة ) ، دون سواها ، كالعربيّة والسريانيّة ، اللتين كتب بهما المنطق في أيّام الفارابي .