ابن باجة
107
تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي
يقدّره ، وإن كان غير موجود مشار إليه ، كما هو في العظم . ثمّ الزمان ، لأنّه يتقدّر بتقدير الحركة ، والحركة تقدّر بتقدير المسافة . ولم يذكر الحركة في الكمّ ، وهي مقدّرة لجهاتها ، ومتى قدّرت فيما شأنه أن يكون فيه الحركة فإنّها تقدّر بالمسافة ، مثل ما يقال : مشيت كذا وكذا ميلا ، والميل إنّما هو جزئيّ المسافة ، أو يقدّر بالزمان ، فيقال : الحرب الفلانية تمادت كذا وكذا سنة أو شهرا أو يوما ، فلخفائها أو قلّة شهرتها سكت عنها ، وهو إنّما تكلّم في الكمّ بحسب المشهور ، ولذلك أخذه جنسا يعمّ ، وليس يعمّ ، لأنّه يقال بالتقديم والتأخير ، لكنّه أخذه جنسا بحسب المشهور . 9 . وقوله : « وأصغر ما تقدّر به الألفاظ هي المقاطع » « 1 » . كيف قال هذا والمقطع مركّب من حرفين ، من مصوّت وغير مصوّت ؟ فهو ينقسم إلى ما تركّب منه . وكان يجب أن يكون الحرف بإطلاق هو الذي يقدّر به الكمّ . فإنّا نقول إنّ في هذه الكلمة كذا وكذا حرفا ، فنقول في « لقي » إنّها مركّبة من ثلاثة أحرف ، من حرفين غير مصوّتين وحرف مصوّت ، وهي تجرى مجرى أصغر ما يقدّر به ، لأنّها تجري مجرى لا ، ولا مركّب من حرفين ، مصوّت وغير مصوّت . لكنّ الذي قاله أبو نصر هو الصواب الذي لا يمكن غيره ، ولو جعل تقديره بالحروف لم يكن كمّا بذاته ، بل كان القول المنطوق « 2 » به عدد ما قدّر ذلك العدد . فهذا النحو من التقدير جملة حروف تقدّر بالواحد الذي هو منطق من جهة العدد ، لا من جهة ما هو قول يقدّر بجزء منه ، كما نقول إنّ في هذا الموضع كذا وكذا جسما ، إذا كان فيها أجسام كثيرة مختلفة . فإنّ هذا النحو من التقدير الذي أخذ في الأجسام ليس من جهة ما هو مصمت يقدّر ، بل من جهة ما لحق جملة من الأجسام العدد ، يقدّر بالواحد / الذي هو منطق العدد ، لأنّ الواحد الذي هو مصمت يقدّر به هذا المصمت ، فيكون جزءا منه . والقول أبدا إذا قدّر من جهة ما هو كمّ بذاته ، لا بدّ من أخذ الزمان في تقديره ، لأنّه إنّما يقدّر بحسب امتداد القول مع الزمان ، إذ لا يوجد تاليا بذاته . فإذا أخذ اللفظ من حيث هو كمّ بذاته ، فلا بدّ أن تنتظم
--> ( 1 ) في المقولات ، ص 95 : « فالمقاطع هي أصغر الأجزاء التي يمكن أن تقدّر بها الألفاظ » . ( 2 ) في الأصل : المنطق .