أبو نصر الفارابي
46
كتاب الحروف
يا أبا إسحاق وأدّبتني وأنا تارك ما درست مذ قرأت الكتاب - يعني كتاب سيبويه - لأنّي تشاغلت عنه بالمنطق والموسيقى ، والآن أنا أعاود . فعاود وصنّف . . . » ( ابن النديم « الفهرست » ص 62 ، س س 9 - 15 ، والقفطيّ « إنباه » ج 3 ، ص 148 ، س 13 - ص 149 ، س 1 ) . فابن السرّاج ترك ما درس من اللغة والنحو على المبرّد وتشاغل عن « كتاب » سيبويه « بالمنطق والموسيقى » فترة من الزمن طالت حتّى أخطأ في مسألة يستحقّ المخطئ فيها الضرب والتأديب . ومعرفة الفارابيّ بالمنطق والموسيقى لا تحتاج إلى بيان . وليس هذا مجال الحديث عن نتائج قراءة ابن السرّاج المنطق على الفارابيّ وأثرها في اتّساع أفقه وتحرّره من المذهب البصريّ وقبوله بعض آراء الكوفيّين ( وهو اتّجاه عرف به أستاذه المبرّد أيضا ) أو أثرها في ما صنّف في اللغة والنحو ، وهي أمور أشار إليها القدماء كأبي عبد اللّه المرزبانيّ الذي قال « صنّف - يعني ابن السرّاج - كتابا في النحو سمّاه الأصول انتزعه من أبواب كتاب سيبويه ، وجعل أصنافه بالتقاسيم على لفظ المنطقيّين ، فأعجب بهذا اللفظ الفلسفيّون ، وإنّما أدخل فيه لفظ التقاسيم ، فأمّا المعنى فهو كلّه من كتاب سيبويه على ما قسّمه ورتّبه ، إلّا أنّه عوّل فيه على مسائل الأخفش [ الأوسط ] ومذاهب الكوفيّين ، وخالف أصول البصريّين في أبواب كثيرة لتركه النظر في النحو وإقباله على الموسيقى » ( القفطيّ « إنباه » ج 3 ، ص 149 ، س س 12 - 17 ) . أمّا آثار قراءة الفارابيّ النحو على ابن السرّاج فتظهر في اهتمامه بالصلة بين النحو والمنطق ، وهو أمر لم ينظر فيه مفكّر إسلاميّ قبل الفارابيّ أو بعده بالتفصيل والعمق الذي نظر فيه الفارابيّ في مصنّفاته العديدة . ولكنّ ابن السرّاج لم يكن نحويّا فحسب ، بل ذا ثقافة واسعة عميقة في فنون اللغة والأدب ، فقد كان من العلماء المذكورين فيها ، مجمع على فضله وجلالة قدره ، وراوية ثقة . ومع أنّ الفارابيّ لا يذكر ابن السرّاج في كتاب « الحروف » ، فلا شكّ في أنّ ابن السرّاج كان مصدر بعض ما يقوله عن آراء نحويّي العرب وأقوالهم في معاني الحروف ، وخاصّة ما يقوله في نشأة علم اللغة عند العرب ( ص ص 145 - 148 ) . فاجتماع الفارابيّ