أبو نصر الفارابي

44

كتاب الحروف

330 ه . وكتاب « ما بعد الطبيعة » الذي يفسّره الفارابيّ في كتاب « الحروف » لم يكن من الكتب التي يبدأ بها المتعلّم ، بل من التي تأتي بعد الكتب المنطقيّة والطبيعيّة والرياضيّة في ترتيب التعليم ، ممّا يدلّ على أنّ الفارابيّ صنّف أو أملى كتاب « الحروف » بعد الانتهاء من تصنيف أو إملاء كتبه الأخرى في المنطق وعلوم الفلسفة . ولكنّ دلائل كهذه ، على أهمّيّتها ، لا يمكن الاعتماد عليها . فالفارابيّ لا يشير في كلّ كتاب يكتبه إلى جميع الكتب التي صنّفها من قبل ، وسبب رجوعه إلى ما قاله في بعض كتبه المنطقيّة هو الصلة بين المواضيع التي يبحث فيها في كتاب « الحروف » والمواضيع التي تبحث فيها هذه الكتب . وهناك أمران لا يذكرهما الفارابيّ في كتاب « الحروف » نعتقد أنّ لهما صلة بموضوع كتاب « الحروف » وبتأريخ تأليفه ، وهما اجتماع الفارابيّ بابن السرّاج ومناظرة متّى والسيرافيّ . وسنفصّل القول فيهما على حدة . ( 7 ) الفارابيّ وابن السرّاج قلنا إنّ الفارابيّ يبحث في كتاب « الحروف » في أصل اللغة ونشوئها وعلاقتها بالفلسفة والملّة ، ويذكر عددا من اللغات غير العربيّة ( اليونانيّة والسريانيّة والفارسيّة والسغديّة ) ومعاني بعض الحروف وتركيب بعض الألفاظ فيها . ومعرفة الفارابيّ باللغات غير العربيّة أمر يشير إليه ويبالغ فيه بعض الذين ترجموا له ، ولا سيّما المتأخّرون منهم ( ابن خلّكان « وفيات » ج 4 ، ص ص 239 ، 241 ، الصفديّ « الوافي » ج 1 ، ص 106 ) . أمّا العربيّة فالقدماء مجمعون على حسن عبارته وصحّتها وحسن إشارته فيها في علوم شاع فيها قبله سقم العبارة وغموضها . وابن خلّكان يقول إنّ الفارابيّ « وصل إلى بغداد وهو يعرف اللسان التركيّ وعدّة لغات غير العربيّ ، فتعلّمه وأتقنه غاية الإتقان ثمّ اشتغل بعلوم الحكمة » ( « وفيات » ج 4 ، ص 239 ، س س 7 - 9 ) . وابن أبي أصيبعة ينقل خبرا