أبو نصر الفارابي
33
كتاب الحروف
« ما بعد الطبيعة » ، فإنّ مقالة الدال عرفت بأنّها قاموس للمصطلح الفلسفيّ . وابن رشد يقول في أوّل تفسيره لهذه المقالة « غرضه في هذه المقالة أن يفصّل دلالات الأسماء على المعاني التي ينظر فيها في هذا العلم ، وهي التي تتنزّل منه منزلة موضوع الصناعة من الصناعة ، وهذه الأسماء هي التي تقال بالنسبة إلى شيء واحد بجهات مختلفة ، ولذلك جعل النظر في شرح هذه الأسماء جزءا من هذا العلم . . . فالنظر هاهنا في الأسماء هو من جنس النظر في أصناف الموضوع الذي ينظر فيه صاحب العلم ، وما هذا شأنه فينبغي أن يفرد بالقول وأن يتقدّم النظر فيه على جميع المطالب التي في ذلك العلم » ( ص 475 ) . ومقالات كتاب « ما بعد الطبيعة » عامّة ، ومقالة الدال منه خاصّة ، تنظر في حروف المعاني وتفصّل دلالاتها والجهات التي تقال عليها . ولنقتصر على ما يقوله ابن رشد عند تفسير أوّل الفصل الرابع والعشرين من مقالة الدال : « لمّا عدّد على كم وجه يقال حرف له وحرف في ، يريد أن يعدّد الآن على كم وجه يقال حرف من . وإنّما عدّد هذه الحروف من بين سائر الحروف لكثرة استعمالها في العلوم ولكثرة وجوه المعاني التي تدلّ عليها » ( ص 657 ) . وخلاصة القول إنّ كتاب « الحروف » هو تفسير لكتاب أرسطوطاليس في « ما بعد الطبيعة » . ولا يعني هذا أنّ الكتابين يتّفقان في جميع الموضوعات التي ينظران فيها ، بل هناك فروق يرجع بعضها إلى أنّ الفارابيّ ينظر في الألفاظ والمعاني المشهورة في لغات وعصور وملل غير لغة أرسطوطاليس وعصره وملّته ، وبعضها إلى ما يرى الفارابيّ في فحوى كتاب « ما بعد الطبيعة » ومضمونه وفي أغراض أرسطوطاليس من هذا الكتاب . إنّ الترجمات العربيّة لكتاب « ما بعد الطبيعة » لأرسطوطاليس لم تنشر بعد على حدة . وكتاب « تفسير ما بعد الطبيعة » لابن رشد الذي نشره الأب بويج لا يحوي النصّ الكامل لكتاب « ما بعد الطبيعة » . ومع ذلك فيحسن الرجوع إلى ما نشره الأب بويج من هذا الكتاب ومقارنته بكتاب « الحروف » للفارابيّ للاطّلاع على الأصول اليونانيّة للحروف والمصطلحات التي ينظر فيها وعلى تفاصيل