ابن باجة

93

رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة

وقد يظن ببعض البراهين المكتوبة فيها انها دلائل ، فان لمتشكك ان يتشكك فيقول : ان المهندس قد يبين المسألة وعكسها ، فإن كان برهان إحداهما برهانا مطلقا فالآخر ليس كذلك ، فبان ان كل مثلث مستقيم الخطوط زواياه مثل قائمتين ليس ببرهان مطلق . وقد لخصنا في اقاويلنا في البرهان « 26 » ان أمثال هذه ليست مباينة للقضايا المؤلفة من المحمولات على المجرى الطبيعي ، بل انما هي تتميمات للبراهين الكائنة عليها . واما هل يكون في الأقاويل الهندسية أمور بالعرض ، فذلك انما يكون عن سهو المهندس . مثال ذلك ما بينه اوقليدس ان ضلع المسدس إذا اتصل بضلع المعشر انقسم الخط على نسبة ذات نسبة وطرفين « 27 » ، فان ذلك انما هو لضلع المسدس بالعرض لما عرض ان كان مساويا لنصف وتر « 28 » الدائرة ، وهو مثل قولنا الطافي على الماء إذا اتصل بالنار [ 214 ظ ] صار لهبا ، وليس ذلك للطافي بأنه طاف ، وانما ذلك للطافي بان عرض له ان كان زيتا . وهذا قلّ ما يوجد في كتب المهندسين ، وانما تسامح في ذلك اوقليدس ، أو ذهب عليه ، لتلازم وجود ضلع المسدس ونصف القطر بالتكافؤ لزوم الوجود . اكتساب البراهين : الاستنباط للبراهين متقدم في الوجود على اكتسابها « 29 » بالتعلم ، فان اكتسابها « 30 » بالتعلم انما يتقدمه بالزمان فقط عند انسان ما ، لكن بعد ان يتقدم اكتسابها ضرورة عند انسان غيره بالاستنباط ، ولذلك كان القول فيها متقدما بالرتبة على القول في تعلمها . وأيضا فإنما يوصف بصناعة الهندسة من كانت له قوة على صنعة براهينها ، اما من لم تكن له تلك القوة ، واقتصر على حفظ البراهين المستنبطة حتى يكون كما قال شاعر يونان كتابا مبسوطا ، فإنما يقال له مهندس على طريق التشبيه بذلك .

--> ( 26 ) هناك تعليقان لابن باجة على كتاب البرهان لأبي نصر الفارابي . يضم مخطوط اكسفورد أحدهما . اما مخطوط الاسكوريال فهو المخطوط الوحيد الذي يضمهما معا . ونص التعليق الأول المشترك بين المخطوطين المذكورين أكمل في مخطوط الاسكوريال . ( 27 ) كذا في الأصل . ( 28 ) في الأصل : « وطر » . ( 29 ) في الأصل : « الساسها » . ( 30 ) في الأصل : « الساسها » .