ابن باجة
80
رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة
والمسألة الأخرى « 18 » هي في السابعة وذلك قوله : كل متحرك فله محرك . فأول ما يجب أن يعلم أنه لم يرد أن يبين المحرك الأول باطلاق كما يذكره المفسرون الذين رأينا لهم قولا ، ولذلك رأوا ان هذه المقالة فضل حتى أن تاسطيوس ترك أكثرها فلم يحفل بها « 19 » ، بل انما أدرك المحرك الأول بالإضافة إلى حركة مفروضة ، وذلك ان الأول في المحركات يقال على نحوين : أحدهما البريء من كل حركة جملة ، وهذا المذكور في الثامنة ، وهو الذي شعر به المفسرون . والنحو الثاني هو المحرك من حيث هو ساكن ، فان القلم يحرك المداد وهو يتحرك في حين تحريكه ، ونسبة يدي إلى القلم تلك النسبة ، فستنتهي ضرورة إلى محرك يحرك بحال فيه ثانية « 20 » لا بان يحتاج في حال تحريكه إلى أن يتحرك . وهذا الضرب يوجد في الأجسام ، فان كل جسم يحرك جسما حركة جسمانية فإنما يحرك بان يتحرك . وقد توجد أجسام تحرك من غير أن تتحرك كالمغنطيس للحديد فإنه يظن أنه يحرك لا بان يتحرك ، فالمغنطيس اذن محرك أول لأنه لا يحتاج في حين تحريكه إلى محرك ، وان لحقه تحرك فبوجه آخر . فاما سائر المتحركات فامرها بين ان المحرك الأول فيها هو المحرك الأقرب . فان توهم فيها ان متغيرا تغير بان يتغير ، فلعل ذلك بعكس الحال في حركة المكان ، لان المحرك في أكثر الامر لا يلي « 21 » اخر متحرك . وهذا إذا تؤمل وضح الغرض الذي أومأت إليه ، وإذا تمسك بهذا النحو من النظر ظهرت به معان كثيرة عظيمة الغناء في هذا العلم . وبعد ذلك فان كثيرا من الناس زعموا ان ما اتى به أرسطو ليس ببرهان أصلا ،
--> ( 18 ) كتب الناسخ في الصلب : « والمسألة الثانية » ثم صححها في الهامش كما أثبتناها . ( 19 ) انظر ما قاله ابن باجة عن هذه المسألة في شرحه للمقالة السابقة من السماع الطبيعي ، ونقده لتامسطيوس وجالينوس في خلطهما بين معنى المحرك الذي أورده أرسطو في المقالة السابقة ومعناه في المقالة الثامنة وقد تبنى ابن رشد موقف ابن باجة هذا ، وان اختلف عنه في التفاصيل . ( 20 ) كذا في الأصل وهي كما ترى تحتمل أكثر من قراءة واحدة ، فقد يمكن أن نقرأها : « ثابتة » أو « باقية » أو « ثانية » ، وان كانت القراءة الأولى والثانية أرجح . ( 21 ) في الأصل : « لا ل » .