ابن باجة
78
رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة
الهيئة . . . « 4 » عليه أمرها فهو يقول بحسب سوانحه ولوائحه فتضطرب أقواله ويكثر كلامه فيما لا معنى له . ثم إنه بعد ذلك ذهب عليه معنى من معانيها هو كالمبدا فيها ، وذلك معنى وسط الكوكب ، فإنه يعتقد فيه انه النور الذي يحوزه « 5 » مبدأ ما كأنك قلت مثلا « 6 » رأس الحمل والنقطة التي عليها يلقى الفلك المائل الخط الخارج من مركز الفلك ( الخارج المركز ) إلى مركز الكواكب . وهو يكرر هذا المعنى ويردده ويرى [ أنه ] من المبادي الأول التي لا ريب فيها ، فهو لذلك لا يزال يناقض بطليموس في أكثر ما ذهب اليه . وهذا رأى وقع فيه من تقدمه ، واني لا عجب من وقوع ابن الهيثم « 7 » على وضوحه ، فإنك إن آثرت الوقوف على ما حكيته لك فاقرأ مقالته المعروفة بالشكوك على بطليموس « 8 » في الفصل الذي يذكر فيه فساد الطريق التي سلكها بطليموس في استخراج ما بين المركزين في كوكب الزهرة وعطارد يتبين لك ما ذكرته . وإذا تأملت تلك المقالة وضح لك من أمر ابن الهيثم انه لم يقرأ الصناعة الا من أسهل الطرق ، ( فما عساه لم يلح له لوقته اما أثبت الحكم على ابطاله واما تركه مغفلا ) وأنه لم يكن من أهل هذه الصناعة القائمين بها ، وانه أبعد عنها من الزرقالة بكثير « 9 » وهذه صناعة شغلت بها نفسي منذ تركت صناعة الموسيقى ، والآن أكملت النظر فيها ، إذ كان تبقى علي فيها النظر في مجارى العرض وهو من أصعب ما في هذه الصناعة ، وقد أكملته . والمقالة التي قال الزرقالة فيها ما ذكرته هي مقالته في ابطال الطريق التي سلكها بطليموس في استخراج البعد الأبعد لعطارد . واما صناعة الموسيقى فاني زاولتها حتى بلغت فيها مبلغا رضيته لنفسي ، ثم بعد ذلك صناعة الهيئة ، فاني أكملت النظر فيها الكمال الذي يقتضيه ما وجدته من مبادئها .
--> ( 4 ) كلمة غير مقروءة . ( 5 ) في الأصل : « التي يحوزها » . ( 6 ) كتب الناسخ في الصلب « مثل » ثم صححها في الهامش كما أثبتناها . ( 7 ) هو أبو الحسن ابن الهيثم الفلكي المشهور ( 8 ) هو كتاب « الشكوك على بطليموس » الذي حققه عبد الحميد صبرة ونبيل الشهاوى - القاهرة 1971 ( 9 ) لنسجل دفاع ابن باجة غير المباشر على بطليموس . ولنتذكر انتصار ابن رشد لأرسطو وانتقاده بطليموس فيما اثاره من مسائل فلكية في مقالة اللام - مثلا - من تفسير ما بعد الطبيعة .