أبي حيان التوحيدي

72

المقابسات

كانوا يتفاوضون بها ويتفاهمون أغراضهم بتصرفها ؟ « 1 » على انك تنقل عن السريانية ، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية ؟ ثم من هذه إلى لغة أخرى عربية ؟ قال متى : يونان وإن بادت مع لغتها فإن الترجمة قد حفظت الأغراض ، وأدت المعاني ، وأخلصت الحقائق . قال أبو سعيد : إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت وما كذبت ، وقوّمت وما حرفت ، ووزنت وما جزّفت ، وأنها ما التاثت ولا حافت ، ولا نقصت ولا زادت ، ولا قدمت ولا أخرت ، ولا أخلت بمعنى الخاص والعام ، ولا بأخص الخاص ولا بأعم العام - وإن كان هذا لا يكون وليس في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني - فكأنك تقول بعد هذا : لا حجة إلا عقول يونان ، ولا برهان إلا ما وضعوه ، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه ؟ ! قال متى : لا ، ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة ، والبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه ، وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه ، وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر ، وانتشر ما انتشر ، وفشا ما فشا ، ونشأ ما نشأ من أنواع العلم وأصناف الصناعة ؛ ولم نجد هذا لغيرهم . قال أبو سعيد : أخطأت وتعصبت ، وملت مع الهوى ، فان العلم مبثوث في العالم ، ولهذا قل القائل :

--> ( 1 ) في هذا القول نظر ، لأنه يدل على أن النقلة والتراجمة الذين نقلوا علوم اليونان إلى العربية حتى ذلك العهد ، لم ينقلوها من اللغة اليونانية مباشرة . وهو يؤيد الرأي القائل بأن العلوم اليونانية انما نقلت إلى العربية عن طريق اللغة السريانيه والفارسية ، ولعل هذا هو الأصح والجدير بالاعتبار . ولذلك جاءت أكثر النقول غير مطابقة للأصل اليوناني . ووقع فيها التغيير والتبديل والتحريف والتصحيف كما قرره العارفون عند المقابلة والمقارنة ، ولا سيما بعد العثور على مؤلفات أرسطو وغيره مكتوبة باللغة اليونانية الأصلية