أبي حيان التوحيدي

65

المقابسات

اللهم إني أعوذ بك من الهندسة ، اللهم فاكفنى شرها فإنه لا يصرف السوء إلا أنت . وقرأت الحمد للّه والمعوذتين و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . وقلت : إن صديقا لي جاءني بنصرانى يتخذ الأنداد ، ويدعى أن للّه الأولاد ، ليغوينى فهلم أفدنا شيئا من هندستك ، وأقبسنا من ظرائف حكمتك ، ما يكون لي سببا إلى رحمة اللّه ووسيلة إلى غفرانه ، فإنها أربح تجارة ، وأعود بضاعة ؟ فقال : أحضرنى دواة وقرطاسا . فقلت : أتدعو بالدواة والقرطاس وقد بليت منهما ببلية لم تندمل عن سويداء قلبي ؟ فقال : وكيف كان ذلك ؟ فقلت : إن النصراني نقط نقطة كأصغر من سم الخياط وقال لي إنها معقولة كربك الأعلى ، فو اللّه ما عدا فرعون وكفره وإفكه . فقال : إني أعفيك من النقطة ، لعن اللّه قويرى وما كان يصنع بالنقطة ؟ وهل بلغت أنت أن تعرف النقطة ؟ فقلت : استجهلن ورب الكعبة ! وقد أخذت بأزمة الكتابة ونهضت بأعبائها ، واستقللت بثقلها ، يقول لي لا تعرف فحوى النقطة ؟ فنازعتنى نفسي في معاجلته بغليظ العقوبة ، ثم استعطفنى الحلم إلى الأخذ بالفضل . ودعا بغلامه وقال له : ائتني بالتخت . فو اللّه ما رأيت مخلوقا بأسرع احضارا له من ذلك الغلام . فأتاه به فتخيلته هيئة منكرة ، ولم أدر ما هو ، فجعلت أصوب الفكر فيه وأصعده ، وأجيل الرأي مليا ، وأطرق طويلا لأعلم أي شئ هو ، أصندوق هو ؟ فإذا ليس بصندوق ؛ أتخت هو ؟ فإذا ليس بتخت ! فتخيلته كتابوت ، فقلت : لحد لملحد يلحد به الناس عن الحق . ثم أخرج من كمه ميلا عظيما فظنته متطببا وانه لمن شرار المتطببين . فقلت له : إن أمرك لعجب كله ! ولم أر أميال المتطببين كميلك ، أتفقأ به العين ؟ قال : لست بمتطبب ، ولكن أخط به الهندسة على هذا التخت . فقلت له : إنك وإن كنت مباينا للنصراني في دينه ، لموازر له