أبي حيان التوحيدي

50

المقابسات

هو لجميع الناس ! فإن قال قائل ، بالعنت والجهل : كل عاقل موكول إلى قدر عقله ، وليس عليه أن يستفيد الزيادة من غيره ، لأنه مكفى به وغير مطالب بما زاد عليه ؟ قيل له : كفاك عارا في هذا الرأي ! إنه ليس لك فيه موافق ولا عليه مطابق . ولو استقل إنسان واحد بعقله في جميع حالاته - في دينه ودنياه - لاستقل أيضا بقوته في جميع حاجاته - في دينه ودنياه - ولكان وحده يفي بجميع الصناعات والمعارف ، وكان لا يحتاج إلى أحد من نوعه وجنسه . وهذا قول مرذول ، ورأى مخذول . قال البخاري : قد اختلفت أيضا درجات النبوة بالوحي ، وإذا ساغ هذا بالاختلاف بالوحي ولم يكن ذلك ثالما له ، ساغ أيضا في العقل فقال : يا هذا ! اختلاف درجات أصحاب الوحي لم يخرجهم عن الثقة والطمأنينة بمن اصطفاهم بالوحي ، وخصهم بالمناجاة ، واجتباهم للرسالة . وهذه الثقة والطمأنينة مفقودتان في الناظرين بالعقول المختلفة ، لأنهم على بعد من الثقة والطمأنينة الا في الشئ القليل . وعوار هذا الكلام ظاهر ، وخطل هذا المتكلم بيّن قال الوزير : فما سمع شيئا من هذا المقدسي ؟ ( قال أبو حيان ) : قلت : بلى ، قد ألقيت اليه هذا وما أشبهه ، بالزيادة والنقصان ، وبالتقديم والتأخير ، في أوقات كثيرة بحضرة الوراقين بباب الطاق ؛ فسكت ، وما رآني أهلا للجواب . لكن الحريري ، غلام ابن طرارة ؛ هيجه يوما في الوراقين بمثل هذا الكلام ، فاندفع . فقال : الشريعة طب المرضى ، والفلسفة طب الأصحاء ، والأنبياء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم ، وحتى يزول المرض بالعافية فقط . وأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلا . وبين مدبر المريض وبين مدبر الصحيح فوق ظاهر ، وأمر مكشوف . لأن غاية تدبير المريض أن ينتقل به إلى الصحة . هذا إذا كان الدواء