أبي حيان التوحيدي
48
المقابسات
المشهورين بين أهل الملة ، وراجع إلى اتفاق الأمة . ليس فيها حديث المنجم في تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك . ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر في آثارها وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، وما الفاعل وما المنفعل منها ، وكيف تمازجها وتنافرها . ولا فيها حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ولوازمها . ولا حديث المنطقي الباحث عن مراتب الأقوال ومناسب الأسماء والحروف والافعال قال : فعلى هذا ، كيف يسوغ « لاخوان الصفاء » أن ينصبوا من تلقاء أنفسهم دعوة تجمع حقائق الفلسفة في طريق الشريعة ؟ على أن وراء هذه الطوائف جماعة أيضا لهم مأخذ من هذه الاغراض ، كصاحب العزيمة ، وصاحب الكيمياء ، وصاحب الطّلّسم ، وعابر الرؤيا ، ومدعى السحر ، ومستعمل الوهم فقال : ولو كانت هذه جائزة لكان اللّه تعالى ينبه عليها ؛ وكان صاحب الشريعة يقوّم شريعته بها ، ويكملها باستعمالها ، ويتلافى نقصها بهذه الزيادة التي نجدها في غيرها ؛ أو يحض المتفلسفين على ايضاحها بها ، ويتقدم إليهم باتمامها ويفرض عليهم القيام بكل ما يذب به عنها حسب طاقتهم فيها ، ولم يفعل ذلك بنفسه ، ولا وكله إلى غيره من خلفائه القائمين بدينه ، بل نهى عن الخوض في هذه الأشياء وكرّه إلى الناس ذكرها ، وتوعدهم عليها ، وقال : « من أتى عرّافا أو كاهنا أو منجما يطلب غيب اللّه منه فقد حارب اللّه ! ومن حارب اللّه حرب ، ومن غالبه غلب » . وحتى قال : « لو أن اللّه حبس عن الناس ذلك القطر سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة كافرين ! يقولون : مطرنا بنوء المجدّح » وهذا كما ترى . والمجدح الدبران . ثم قال : ولقد اختلفت الأمة ضروبا من الاختلاف في الأصول والفروع وتنازعوا فيها فنونا من التنازع في الواضح والمشكل من الاحكام ، والحلال