أبي حيان التوحيدي

4

المقابسات

مرة بعد مرة ، ثم قابلت بين ما أثره هذا الكتاب في نفسي وبين ما وصفه به الشيخ الكتبي فإذا به قد قصر في وصفه ، ولم يبلغ في نعته جزءا من ألف ، مما كان يجب له من نعت ووصف ، فتاقت نفسي إلى إحيائه بالنشر ، ونشره بالطبع ، فوجدت الأمر عسيرا ، والخطب كبيرا ، ولا سيما والطبعة الهندية زاخرة بالاغلاط ، حافلة بالنقص والتحريف والتصحيف ، فرأيت أن أبدأ بنشره فصولا في جريدتي « الثمرات » فكنت أعانى في تصحيحه وتحقيق غثه من سمينه ما أعانى ، وكلما فرغت من فصل نشرته ، وكان بدء ذلك في العدد الصادر منها في 20 يونيه سنة 1916 ، وبعد أن مضيت في ذلك ، ونشرت منه عدة فصول ، أضاع الطابع منه فصلا ، فأمسكت عن النشر ، وفي النفس ما فيها وبعد مدة أتيح لي العثور على نسخة منه أخرى بشكل آخر ولكنها كتلك السابقة مطبوعة في الهند ، فتراوحت بينهما وأكملت ما وجدته من نقص في إحداهما من الأخرى ، واستعنت بالواحدة على أختها في نفى بعض التحريف ، وضبط شئ من التصحيف ، ثم ضبطت هذه النسخة وعلقت عليها الشروح والحواشى ، وما زلت أمنحها من العناية ما هي جديرة به حتى صارت على ما أرى خير نسخة من هذا الكتاب أخرجت في هذا العهد وقد وصف الوزير جمال الدين القفطي المصري هذا الكتاب فقال « هو كتاب ممتع على الحقيقة لمن له مشاركة في فنون العلوم ، فإنه خاض كل بحر ، وغاص كل لجة » هذا ، وقد وجدت شباب هذا العصر لا يعرفون كثيرا من أدباء العربية ، ومفاخر أهل البلاغة والبراعة فيها ، وان عرفوا أحدا من هؤلاء الاعلام فقلما عرفوا عنه إلا صورة مشوهة أكثر ما تحملهم على النفور منه ، والاستخفاف بلغته ، والرزاية عليه ، اما أبو حيان فليس يعرفه منهم