أبي حيان التوحيدي

364

المقابسات

قيل له : فما الشغف ؟ قال : قريب من الكلف ، وهو أشد ارتفاعا في ملازمته من الأول . على أنا إن أنصفنا لم نقل في هذه الأسماء شيئا لأن حدودها وحقائقها لم تنته إلينا صحيحة تامة غير مخرومة ولا مثلومة ، وإنما نصفها ائتناسا بها وببعض علائقها لا اطلاعا على جميع غوامضها وخوافيها ، وعلى جميع ما دخل فيها وفي غمار أخواتها . فلتكن الحال معروفة عند المعيب والعائب إذا عثر على زلة لم يعر منها أحد من البشر وإن لطف عقله ورقت حاشية كلامه وتهودى سماع لفظه بسمع كلامه وتزين في بديع خطابته ، ولا غضاضة على من إذا قصّر قصر من جهة يشاركه [ فيها ] بنو جنسه . قيل له : إنما الصداقة لغة ، وهي أم هذه المقابسة . فقال : صحة الظاهر بالموافقة ، وسلامة الباطن من المخالفة ، واستقرارها على حد المواصلة بالمناصفة والمساعفة والإيثار ، مع الاهتمام بكل دقيقة وجليلة ، والاحتياط في كل ما حرس أسباب القوى والزلفة ، واطراح كل ما أشار إلى المؤنة والكلفة . وقيل : إن رأيت زدت في المحبة كلاما ؟ فقال : المحبة أريحية منتفثة من النفس نحو المحبوب لأنها تغذو الروح وتضنى البدن [ و ] لأنها تنقل القوى كلها إلى المحبوب بالتحلى بهيئته ، والتمني بحقيقته ، بالكمال الذي يشهد فيه . فالشوق يتوفر عليه ، والشوق شاغل عن كل ما عدا المشتاق إليه ، وهو قوة تسافر من هذا إلى هذا ، زادها الاطراق والتفكير والوجوم والسهر والتتبع والتحير . قيل : فما المعرفة ؟ قال : إن كانت ضرورة فهي نتيجة الفطرة ، وإن كانت استدلالا فهي ثمرة الفطنة ، ولا بد فيها من البحث الطويل والعريض ، والسماع الواسع