أبي حيان التوحيدي

361

المقابسات

علمت أنه إذا صادف من هذا بعينه وطينته ، وعلى هذا ديدنه وإليه حنينه ونزوعه ، وفيه غروبه وطلوعه ، كان المعنى الذي انبنى عليه الحد عنهما أبعد وهما عنه أنفر وأشرد ، وأن ذلك الحد صدر عن فضاء العقول وعرصة الحق حيث لا نتزاحم الأشياء لا بالمشاكلة ولا بالمعاندة ، فلذلك ما كان حلوا في السمع مقبولا ، كريها عند العمل مهجورا وهكذا حكم ما يوضع بالعقل ويحد به إذ كان لا يكمل ذلك إلا بالمباشرة الحسية والكلف البشرية والعادة الانسية ، ولكن الزماع والصبر والاجتهاد والاعتياد والرياضه والدربة والتسبب والتعود مطايا مبلغة أو مقدمة ، وأسباب محققة أو مقومة ، ولولا هذه الفضائل التي يسلك إليها هذا السبيل لما وجد أحد في صدره برد اليقين ولا طمأنينة الحق ، ولا ظفر بسرور النفس ولا عرف روح العقل ، ولا أحس بسكون الطباع ، ولا طمع في إصابة المطلوب ، ولكان اليأس أغلب من الرجاء ، والقنوط أرسخ من الامل ، والعدم آنس من الوجد ، وليس الامر كذلك ، بل النعمة سابغة ، والدواعي محركة ، والاستطاعة حاضرة ، والعناية معرضة ، والرجاء مطمع ، والمراد مزمع والنداء عال ، والنجاء متوال ، واللّه موفق . وليس يبقى حاطك اللّه إلا الفسولة والكسل ، وحب الهوينا والضجر ، ومتى تدرج في نفى هذه الرذائل المكروهة والإرادات الذميمة ، بالزهد في الدنيا ، ورفض الشهوات ، ومخالطة أقران الخير ، ومجانبة خلطاء السوء ، عاد البعيد قريبا ، والعسير منقادا ، والممتنع مستجيبا ، والعاصي طائعا قيل له : إن الحد قد حوى هذا كله لأ [ نه ] قيل : هو أنت إلا أنه غيرك بالشخص ، فبالموافقة يكون أحد الصديقين الآخر ، وبالمخالفة يكون الشخص آخر فقال : ليس بجائز أن يكون في الحد تناقض ، ومتى استجيز هذا جاء