أبي حيان التوحيدي
353
المقابسات
اتصال الهى لا فضل له ولا بينونة فيه ، وهذا كله إذا لحظت مبدأ الوجود بحسب حدك ونظرك واستخراجك ، فأما ما عليه العلة في وجودها وما عليه المعلول في وجوده معلولا ، فأمر لا يتميز إلا بالترتيب الذي تكرر القول فيه . فجالينوس قد هجم بنظره وفحصه على علتين : إحداهما موضوعة لذلك ومطبوعة على ذلك ، والأخرى يدنيها منها ويضيفها إليها ويشبهها بها اقتدارا بالعقل البشرى وتصرفا بالقياس الانسي ، وإثارة للحكمة الإلهية ، واستنارة بالحال التوحيدية . فالعلة الأولى طباعية ، والأخرى صناعية . والقياس المشار إليه من الأولى برهاني ، والقياس المدلول عليه من الأخرى بيانى ، وإنما يفزع في وقت بعد وقت إلى ما هو دون البرهان ، لأن خفايا الأشياء وأسرارها وزواياها في أعماقها كثيرة . والعقل الهيولاني لا يفنى في هذا الجسم الجزئي كل الاضاءات ولا ترى كل ذلك . فلذلك ما ترى صاحب هذا العقل يطمئن مرة ويقلق مرة ، لأن النفس تمر به كالبرق إذا استنار أو كالنجم إذا هوى قال : والكلام في هذا الباب أطول مما يظن قد تجلى بهذا القدر شئ يمكن أن يكتفى به مع التخليص فيه . وأعدت هذا بعد على أبى سليمان فقال لي : قد تجد علة في شئ من الأشياء تكون ذاتية فلا ثمرة لها عندك إلا أن تعرف أنها كذلك فقط ، وقد تجد علة أخرى لشئ آخر ولا تكون ذاتية له لأن أخرى تزاحمها ، إلا أن العقل يرتع فيها وينبسط في استنباط الحكمة منها . والحال الأولى من العقل شبيهة بما في العقل ، وكل ما في القوة فليس للعقل منه إلا الأينية والكمية والكيفية . ثم قال : فعلى هذا التأسيس الأشياء تابعة للعلل لأنها معلولاتها ، والعلل مستتبعة للمعلولات لأنها علل لها . وهذا بشرح العقل لا بترتيب الحس ، ولا يتجرد لحظ العقل إلا بشركة من المعلول . وإذا علوت عن هذه قليلا لم تجد ما ينبغي أن يعطى حد العلة ولا حد المعلول ، وإنما ترسم هذه الأسماء والألقاب ما دامت تتصفح الأمور وتقيس بعضها ببعض ، وتستعمل أسماءها وتثبت صفاتها ، ولو خلص النظر من هذا كله