أبي حيان التوحيدي

351

المقابسات

في المنام جميع ما تجوزه في اليقظة إلا التركيب ، لأن التركيب ورث في الطبيعة في قابل ، وفي آثار النفس أيضا تركيب ولكن الآهى ، ألا ترى التحاب في العدد والتباغض والتكعيب والتثليث إنما هو من فنون التركيب ولكن بنوع خارج من آثار الطبيعة في المواد المنقادة حتى إذا علوت من هذه الربوة إلى اللوائق بالعقل وجدت هناك أمورا يضل عنها وصف اللسان ورصف البيان ، ولهذا الفعل خصوصية ليس بعدها سعى ولا دونها رضى جعلنا اللّه وإياك من صفوته بجوده وقدرته 103 مقابسة [ في أن الأشياء التي توجد بالعقل وبالحس كلها اتبعت العلل ] قلت لعيسى بن زرعة أبى على « 1 » ، وابن عبدان الطبيب حاضر : أنا شديد الحرص على معرفة شئ قد طال تخلجه في صدري مع مواصلة مسألتي عنه وحسن استفهامى لما فيه . فقال : ما هو ؟ قلت أريد أن أعلم أن الأشياء التي نجدها بالحس والعقل كلها اتبعت العلل والعلل الأشياء ؟ فقال لي : من أين ثارت عليك هذه المسألة ؟ فقلت : رأيت جالينوس في منافع الأعضاء يذكر أمورا [ و ] بكشف دقائق وينثر عجائب وينشر حكما جليلة ، ولعمري إن ما خلده في ذلك الكتاب وقاله واستنبطه يكاد يكون عن وحى وإلهام فضلا عن غير ذلك ! فمما نزع إلى هذا البحث أنى رأيته يصف العين ويذكر مكانها من الانسان وأنها كالربيئة له والطليعة ، وما دانا هذا وجرى معه ، وذكر أيضا الاحتياط في العين لكثرت آفات هذا [ العضو ] خاصة . فقيل له [ لو ] وجدت إحدى العينين في نقرة القفا والأخرى في وسط الجبهة لأمكن أن يقال جعلنا إحدى العينين من خلف لتكون وقاية وحراسة مما يكون هناك

--> ( 1 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 197