أبي حيان التوحيدي

329

المقابسات

العطب ، وإن فاته وراء ذلك جميع ما هو داخل في باب الخير وموجود في ناحية الزيادة . ولعمري إن الاجتهاد حسن ، وطلب الأقصى شجاعة . ولكن الغاية المتوخاة موهومة ولا سبيل إلى بلوغها ، والذي يجب بذل الاستطاعة وقلة الرضى بالفتور ومصارفة الزمان بكل حال . وما أحسن ما يعمر بهذا المعنى بعض الموفقين حين قال : إنا نحرص على بلوغ الغاية لبعد السفر لأنه لا راحة دونها ، ونشح على ساعات العمر لقصر المدة لأنه لا عمل بعدها . وهذا كلام عال ، وينبغي أن يكون الحرص نقيا من الكد والاجتهاد ، بريا من التعب المؤدى إلى العطب وقال آخر : إنما أنت لب في قشر ، فاحفظ لبك بصيانة قشرك ، ولا تصن قشرك بإضاعة لبك ، واعلم أنك ذو لب واحد وذو قشور كثيرة ، وتنقيتك من قشورك صعب ، وقيامك بلبك أصعب . والامر الأمم [ الذي ] يجب أن يتمم هو أن تنقيتك قشرا بعد قشر حتى إذا وصلت إلى القشر الحافظ للب أشفقت عليه وسسته ليبقى لبك مصونا في قشرك ، فان مزايلتك لهذا القشر باب إلى التواء وجالب للفساد ، وستنقشر عن ذلك في الثاني على حسب ما يهيئه من هو أولى بك وأقدر عليك وأنفذ حكما فيك ، وهو الذي نظمك وأنت بدد ، وجمعك وأنت مفرق ، ونظر لك وأنت مغيب ، وأوجدك وأنت عدم ، وأقدرك وأنت عاجز ، وأهمك وأنت ساه ، وأنبهك وأنت راقد ، ولاطفك وأنت جاف ، وألفك وأنت متناف ، وقادك إلى حظك وأنت كاره ، وأتاح لك الخير وأنت يائس . وأعلى يا هذا حظك وأنت كاره وعلى هذا نظائر لا تحصى ، ولطائف لا نستقصى ، فهل يبقى لك بعد هذا حجة أو متعلق ؟ !