أبي حيان التوحيدي

323

المقابسات

وجمان لا يحصر إذا انتثر ، ووسمى يتبعه الولي ، وخيره ما كان عفوا ، وشره ما كان تكلفا ، ولست أعنى بهذا بلاغة البلغاء ولا خطابة الخطباء ، ذلك شأن عن غير هذا المحكم ، لأنه ملحوظ بالهذر ، وربما يستغنى عنه في الأكثر ، وإنما أعنى ما يطبق الفصل ويحقها ، ويحثها بالمعنى ويأتي على المراد ، ويشفى غليل النفس ، ويهدى لليقين . فذاك كالعرض لا ثبات له ولا سكون معه ، وقد يعرض أيضا في تحقيق المعاني وتحصيل الاغراض بعض التجوز والسعة ، ولا يكون ذلك معتمدا بالقصد الأول ، ولكنه يكون كالشىء الذي لا يعرى عن مجاورة الأمر الذي لا يخلو من ضده . وكيف يصدر عن الانسان المركب الممزوج شان لا عيب فيه ؟ أو كيف يصح له فعل لا عتب عليه به ؟ وإنما يصدر من المركب مركب مثله ، ومن الممزوج ممزوج شبيهه ، ولكن بين المركب والمركب بسيط ، وبين الممزوج والممزوج صاف ، وبين المعقول والمعقول صلات ، وبين المظنون والمظنون فنون تشير إلى اليقين . فما أحرى من فتح اللّه بصره وأيقظ نفسه ، أن يعترف بنعمته عليه ، وينشر ما قد وهب له . وقد رويت في هذا المكان عهدا وجدته لبعض أصحابنا كتبه بيده ، وكان تذكرة نفسه ، ومتخير لسانه ، ومشهد طرفه ، وهو : بسم اللّه الرحمن الرحيم « 1 » هذا ما عاهد عليه اللّه فلان ابن

--> ( 1 ) لما قرأت هذا العهد ثارت بي الذاكرة ونبهتنى إلى أنى قد سبق لي قراءته في بعض الكتب أثناء مطالعاتى السالفة ، وأن صاحب هذا العهد من الرجال المعروفين . فأعملت الفكر واستثرت دفائن الصدر حتى وفقني اللّه تعالى إلى العثور على تلك الصورة لهذا العهد وعلى صاحبها ، وإذا هو أبو علي أحمد بن محمد مسكويه الخازن صاحب كتاب تجارب الأمم . وقد عرف به ياقوت في كتابه معجم الأدباء بما خلاصته ممزوجا بما قاله عنه غير ياقوت : إن أباه مسكويه نشأ على دين المجوس ثم أسلم ، وأنه هو كان من أعلام الأدباء وأكابر الكتاب والبلغاء وكان قيما بعلوم الأوائل عارفا بالفلسفة والمنطق والطبيعيات والكيمياء - كما أشار إلى ذلك أبو حيّان فيما رويناه له فيما مضى من هذا الكتاب ص 60 - ومن وقف على كتابه تجارب الأمم عرف مقدار ميله إلى الحكمة وولعه ببسط العبر والتنبيه على العظات المنتزعة من الاحداث الزمنية . وكان في طالعة أمره في جملة أبى الفضل ابن العميد ، قيما على خزانة كتبه . ثم خدم آل بويه ، وكان خازنا لكتب عضد الدولة ، ثم اختص ببهاء الدولة وعظم عنده شأنه وارتفع مقداره . وجرت بينه وبين أدباء زمنه مراسلات وعلى الخصوص بديع الزمان الهمذاني . وكان أبو حيان كثير الولع به ، دائم السخرية منه ، شديد المؤاخذة له . وله شعر حسن ومؤلفات جليلة . مات في صفر سنة 421 ه . وهذا العهد الذي رواه أبو حيان في هذه المقابسة روى ياقوت منه قطعة في معجمه ، وقد وجدت في كل من الروايتين تصحيفات وتحريفات هي بلا شك أثر يد النساخ المساخ ، كما عثرت على اختلافات وعلى نقص وزيادات ، فأكملت إحدى الروايتين من الأخرى وزدت بعض حروف كان لا بد لاتساق العبارة واطراد المعنى من زيادتها ، ووضعت هذه الحروف المزيدة بين مربعين [ ] ولم أنبه إلا على الزيادات التي نقلتها عن ياقوت