أبي حيان التوحيدي

320

المقابسات

المادة وغلبة الهيولى ، ولاختلاف النفوس بأصناف المزاج والتربية ، وإما كيفية النفس وارتضاء العقل وإنارة الفكر ، وكان من باب الحقائق واليقين والطمأنينة والسكون وروح البال وطيب النفس قائما ذلك بمعونة العقل واتصال بحوره وغزارة فيضه وغلبة سنخه ، وتعهد الباري الذي إليه ينتهى القول والوهم ، وعنده يقف النثر والنظم ، وعليه يشتد اللهف ، والذي هو الكل المستولى على الكل 93 مقابسة [ في القول في قدم العالم وحدوثه ] قال أبو سليمان : إنما عرض الاختلاف من الناظرين في العالم : أقديم هو أم محدث ، لأمر لطيف . وذلك أن الناظر إلى المركز وجد الشئ الكائن ثم وجد الشئ الفاسد ، فحكم أن الحدوث والقدم قد تعاقبا عليه ، قدم بالزمان وحدوث أيضا بالزمان [ فجاء ] الحكم بأنه محدث واجب ، والناظر إلى هذه الاجرام العلوية وجد ما لا يكون ولا يفسد ولا يعتريه دثور ، فحكم بأنه قديم ، وكان النظران صحيحين من الجهتين المختلفتين ، والشرف على الحقائق وهو الذي يقضى بالواجب لأنه ينسى السفلى إلى العلوي ، أو يبتدئ النظر من العلوي إلى السفلى ، فعند هذا التصفح والاستبانة يحكم بالحق ويقول : قديم بالسوس حديث بالتخطيط ، وكيف لا يكون كذلك وآثار الصورة فيه ظاهرة ، وآثار الهيولى فيه حاضرة ، فآثار الهيولى هي التي درست وعفت وبادت وانتشرت ، وآثار الصورة هي التي ثبتت واستمرت وبقيت وشرفت وحسنت ولطفت ، وظاهر هذا عند من لا دربة له بهذا البحث متناقض ، وأنه قد جمع في هذا الحكم بين السلب والايجاب