أبي حيان التوحيدي
267
المقابسات
بعيدا ، وتحرقت أسفا ، وتقطعت ندما ، وإن نعشت نفسك ، وأخذت يدك بيدك ، واستمررت في أمرك ، واستترت بدائك ، ورفضت كل كلّ عنك ، وعرفت المراد منك ؛ فزت فوزا عظيما ، ونلت ملكا ونعيما ، وبقيت بقاء بلا انقطاع ، وسعدت سعادة بلا شقاء ، وصفوت وعلوت ، وعرفت وأنفت ، وقدرت وظهرت ، ومجدت وشرفت ، ولحظتك عين الجود غامرة ، واكتنفتك الخيرات ظاهرة وباطنة . واحدا لا ينقسم ، وناظرا لا يغمض ، وموجودا لا يعدم ، وبيّنا لا يخفى ، وشاهدا لا يغيب ، وحاضرا لا يفقد ، وعلانية لا تنكتم ، ومتصلا لا ينقطع ، وحبيبا لا يقلى ، ومعشوقا لا يخفى ، وموصولا لا يبعد ، وصاحبا لا يمل ، ومجموعا لا يفترق ، وآمنا لا يخاف ، وساكنا لا يقلق ، وناطقا لا يعيى ، وصحيحا لا يسقم . أمر يجل عن نعت الناعتين ، وحال تعلو قول الواصفين ، وشأن تدق على خبر المخبرين . فاجمع أكرمك اللّه بالقبول أطرافك ، وشمر إلى الغاية ذيلك ، وكن رقيبا على نفسك ، فلا مشفق عليك سواك ، ولا ناظر في أمرك غيرك ، وعلى الدعاء والتلطف ، وعليك الاجتهاد والسعي . فما بعد نصح الداعي وقبول السامع إلا نيل الأماني وبلوغ الآمال 68 مقابسة [ في أن الوسط فيه الطرفان ] قال أبو سليمان : قال بعض الطبيعيين : الوسط فيه الطرفان ، فإن الماء الفاتر توجد فيه الحرارة والبرودة . ثم قال : وهذا بيان قول الأوائل : الإنسان لب العالم ، وهو في الوسط ، لانتسابه إلى ما علا عليه بالمماثلة ، وإلى ما سفل عنه بالمشاكلة . ففيه الطرفان ، أعنى فيه شرف الاجرام الناطقة بالمعرفة والاستبصار ، والبحث والاعتبار ؛ وفيه صفة الأجسام الحية الجاهلة التي