أبي حيان التوحيدي

255

المقابسات

فيه ، وأسر ما تكون منه ، فبدنك طبيعي فتهاون به ، ونفسك عقلية فتوفر عليها . احرص على أن تعلم جيدا ، لا على أن تقول جيدا ، وعلى أن تهوى خيرا ، لا على أن تحب خيرا ، وعلى أن تعمل بما ينبغي ، لا على أن تدعى ما ينبغي . فيك درة الحق فلا تخدع عنها ، ومعك رائد الشرف فلا تعيبه ، وإليه رشدك فلا تفت نفسك ما لها ألهمك . ملكت ما لا تستحق فأحسن سياسته حتى يستحقك . في التجارب مرآى النفس فاستكثر منها فإنها أنجع من كل دواء ، وأبلغ من كل شفاء ، إن احتميت دامت لك الصحة ، وإن شرهت حالفك السقم ، وأفضى بك إلى الندم . ما حمد المتوانى عاقبة حاله ، ولا ذم الراصد فرصة غبّ أمره . ارحم نفسك قبل أن تسترحم غيرك ، فإنها إذا رحمتها أكرمتك ، وإذا استرحمت غيرك لم يرحمك ، فان رحمك أهانك وامتنّ عليك ، فلا تنفك عن غصة تهوّن عليك الموت وتسوقك إلى العدم . كن عاقلا حتى لا تغترّ ، وخبيرا حتى لا تغرّ ، وفي الجملة كاملا حتى لا تنقص ، فان قلت : أنّى لي بالكمال ؟ فاعلم أن كمالك في نفى نقصك بما تعمره لا بما تزيله ، لان نقصك من جهة التركيب لا من جهة البساطة . لا تنم بين الايقاظ ، ولا تغفل عن الرقباء ، ولا تدع عنها المكذبين ، ولا ترجئ مالك اليوم إلى غد ، فان غدا ليس لك ، فإن كان لك فإنه شاغلك عن يومك . ساء ما منّتك نفسك أن تنال لذتك وتبلغ شهوتك ثم تدرك بعد هذا سعادتك ؟ ليتك إذا دفنك التراب ، وغسلك الماء ، ولطفك الهواء ، وأحرقك النار ، وتقلبت بك الأستقصات ، وعاد سفلك علوا ، ودرنك نقاء ، وظاهرك باطنا ، وصرت مقبولا بكل شكل ، ومرقى إلى كل فضل ، ومجلوا على كل عين ، ومذكورا بكل لسان ، ومتمنى بكل قلب ، ومعهودا بكل إصبع ، ومقدسا بكل مجد ، ومدّعى في كل زمان ، وآويا إلى كل مكان ، وموجودا في كل أوان ، ومخبرا عنه بكل عيان ، كنت أهلا للبقاء والخلود والكرامة