أبي حيان التوحيدي

252

المقابسات

يحكم لك ، وبلغ إلى العقل ما يفهمه عن النفس يردك . اعرف الشر لئلا تقع فيه جاهلا به . الشر شران : شر ناشئ منك فأنت قادر على قمعه بموازرة الخير المؤثر عليه ، وشر وارد عليك أنت محتاج إلى دفعه بمعاونة أهل الخير الكارهين . له الشر عدم فمتى لبسته عدمت ، والخير وجود فمتى لابسته ظفرت وبقيت ، ومن خلط الخير بالشر وقف بين العدم والوجود وساء عيشه ، ومن رجح به الشر باد ، ومن فاز بالخير نال السعادة . لين الشر أكثر من عدم الخير ، ولين الخير أكثر من معرفة الحق ، والعمل به . قد يعرف الشئ منكورا وينسى مذكورا ، فأما عرفانه فمن ناحية ظهوره وغلبته ، وأما نكرته فمن ناحية حجبه ووسائطه . الموجود فيه ظل المعقول بدلالة الواجب له ، وهذا يلم ، لأن الموجود جلبه لغيره منه صحح توحيدك بالمعرفة ، وصف معرفتك بنفي ما يخامر سرك . هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، والشاهد والغائب . أول بلا مبدأ ، وآخر بلا نهاية ، وظاهر بلا تحصيل ، وباطن بلا فكرة ، وشاهد بلا ملابسة ، وغائب بلا مشافهة ، وإياك أودع سره ، وعليك أقام بره ، ومنك استعارك ، ولك أعار ما أعارك ، ليكون ازجا منك ذلك ، أو [ لا ] يكون بد إذا جار عليك بذلك . من الحيف ان تجحده وهو يناغيك في ضميرك ، ويستولى عليك في ظاهرك ، ومن الجهل أن تسمه بنقصك ، وتصفه بحد نفسك ، وتخبر عنه كما تخبر عما تركب عنك وفصل منك فيك . لعمري فمن الضعف أن تكون ذا طبيعة ثم تروم أن تكون ذا معرفة ، ولكن ليس لك ذلك بحال لأنك متى محوت آثارها وجلوت أصداءها أبصرت ما بين طرفك عنها ، وتسأل إلفك منها ، أو ترقيك إلى المحل الأشرف الأسنى كن بطبيعتك إنسانا فاضلا ، وبنفسك جرما عاليا ، وبعقلك إلها غنيا . والطريق إلى هذه الغاية أمم إن حركت همتك ، وقوية شوقك ، ونفيت