أبي حيان التوحيدي

242

المقابسات

ولو أمكن لفعل كل واحد جميع ذلك ، وكان الانسان يكمل بوفائه بكل شئ وإتمامه لكل شئ ، وبالواجب خالف حكم الحس حكم العقل في المعقول . كل مختلف متفقا ، وكل كثير واحدا ، وكل بعيد قريبا ؛ وكل متعذر سهلا ، وكل عصىّ سمحا ؛ وكل مظنون متيقنا . وذلك لأن الوحدة العقلية في الكثرة الحسية « 1 » مدمجة ولو استوى الطرفان لسقط البحث وزال المراء ، ولكان لا يشتاق الغريب إلى وطنه ، ولا يحن إلى معدنه ؟ ثم انشد في هذا الموضع بيتا ولم أدر من قائله وهو : حنّ الغريب إلى أوطانه طربا * إنّ الغريب إلى الأوطان حنّان قال : فعلى هذا مولّيك في العلم حتى منحك ما تراه هو موليك في الرزق حتى زوى عنك ما تتمناه ؟ لإبائك قبول الكمال في الحاشيتين ، لا لانقطاع الجود عنك في الوجهين . وهذا الإباء ليس لك فيه ذنب ، وذلك الفيض ليس فيه عجز ، ولكن هكذا هو ؛ وأنا أستحسن بيتا يأتي على أصل الباب وفرعه لقائله وللّه دره وهو : فإن تصبرا فالصّبر خير مغبّة * وإن تجزعا فالأمر ما تريان ثم قال : على أنه وإن كان قد شرفك بما منحك من الحكمة ، فقد نظر لك فيما قلل حظك منه ، وكفاك مؤنة سياسته ومؤنة الأسف عليه ، وخلصك فصرت أربح الساعين وأغبط المجدودين بما تعلم به أنك مفضل فيه على كثير من بنى جنسك ولداتك الناشئين معك ، والضاربين بسهمك ، فلا تكثر الأسى على شئ هو الظل الزائل ، والحلم الباطل ، وعليك في حياتك بما يكملك في الجملة ، وبحملك من الأدب ، ويفضلك من البيان وينبل من الخلق ، ودع ما سوى ذلك فإنه جلل

--> ( 1 ) بياض بالأصول التي بأيدينا