أبي حيان التوحيدي
229
المقابسات
ذلك الكلام بين مراتب ثلاث : في الغاية التي لا غاية وراءها ، وفي الوسط الذي يعتدل فيه ، وفي الطرف الأدنى ، وفيما بين ذلك كله بالأرجح والأنقص والأقل والأكثر . والتأويل يركب منشورها ، والظن يسرى في أطرافها ، والقالة تجد سبيلا إلى التشنيع عليها . فلذلك وأشباهه يكون ذلك . على أن هذا إذا تؤمل بالنصفة مقيسا إلى الطبائع المختلفة ، والعادات المتباينة ، والاعراض المتشعبة ، كان في نصاب الحكمة ثابتا ، وعلى مدارجها جاريا ، وإلى أصولها وفروعها نازعا . ولولا ضيق أعطان الناظرين في هذه الغوامض عن التبت والانصاف لكان يتجلى هذا كل التجلي ، ويزول عنه الخلاف كل الزوال قلت لأبى سليمان : أليس لو صفت الحال هاهنا من عارض خطأ وسانح تأويل ومضروب مثل ، كانت أبلغ في المعنى وأنفى للتهمة من القذى ؟ قال : بلى ، ولكن ليس كل ما شهد به العقل بصفائه وطهارته وبعده من الدنس والدرن في أفقه وعالمه ، يجوز أن يوجد ذلك على كماله في عالم الحس المشوب الكدر الذي لا ثبات له ولا مستقر . وكيف يجوز أن يوجد كل ما هو بالقوة في كل شئ بالفعل في حال واحدة ؟ كأنك تريد أن تعرى البشرية ! وهذا ما لا يكون ولا يجوز أن يكون . بل تتفاوت مراتب أصحاب هذه القوة بحسب أنصابهم منها حين انقسمت عليهم فتحلوا بها على مقادير مزاجهم وطباعهم ونهوضهم واحتمالهم ، وذلك التفاوت هو الذي يعلى حال هذا عن هذا ، ويحط شأن هذا عن هذا ، إلى آخر أفق الانسانية المحتملة لغاية هذه القوة العالية الشريفة . ثم إن الأخلاق والألفاظ تابعة لها على ما يبدو به من ضعف العقل والقوة والبيان واللغز والتوسط ثم قال : والبلاء الأعظم في أمر الأنبياء أن من الناس من يظن بهم أنهم كذبة أصحاب حيل ، ومنهم من يظن أنه لا يجوز أن يقع منهم شئ من القول والفعل يتعلق بما يوجب التهمة ويجلب الشك ، وكان وراء هذين