أبي حيان التوحيدي

218

المقابسات

بسبب مكان معشب وكلإ كثير ؟ ! فقال له مجيبا ، وهو وادع النفس رخى البال ، حاضر الفكر ساكن الطباع : أيها الشيخ ، لو رأيت بعينك ما رأيته لتمنيت أن تكون كما تمنيت . وهذا يدل على أن الذي أثار شهوته في ذلك المكان لم يكن جوعا قد توالى ، ولا نهمة قد غلبت ، بل كان نذالة النفس ولؤم الطباع ، وسقوط الجوهر ، وغباوة الروح ، وقلة العقل فهل تظن حفظك اللّه بعد هذا بمن هذا حديثه وجملته وتفصيله ، أن ينتعش من صرعته ، أو يستبصر في شأنه ، أو يهتدى لسعادته ، أو يلتفت إلى معاده ؟ وهل بين هذا وبين الحمار الذي هو حيوان نهاق فرق ؟ بل قد سمعت بمن قال إن الحمار خير من هذا بكثير ، لأن الحمار لازم لحده غير منحرف إلى ما ليس في قوته ، وهذا قد بطل حده بإرادته ، وجمع النقص كله لنفسه بقبح شهوته وفساد أمنيته . على أنى شاهدت قبل هذا انسانا متماسكا وكان له حظ من التجربة بالسنن العالية والسفر البعيد ، وكان متميزا بمذاهب الصوفية ، يقول يوما ، وقد أبصر حمارا يمشى : ليتني كنت هذا الحمار ! فعجبت منه فضل عجب ، وانكشف لي أنه انما تمنى ذلك ليكون ناجيا من قلائده ومؤنة ما هو بعرضه وصدده عاجلا ، وما هو مأخوذ به ، ومخوف منه ومعد له آجلا ، فكان عذر هذا عندي أخرج من كل الجهل ، وأدخل في بعض الوهم . وإنما هجس هذا في ضميره وجاش على لسانه وافصح بذكره والتشدد فيه ، لأنه كان جاهلا بالجوهر الذي هو أشرف من الانسان بحده الخالص من كل شوب ، فنزل عن تلك الربوة العالية والذروة الشماء ، أعنى الجواهر العلوية الأبدية ، وتمنى أن يكون حيوانا هو أخس من الانسان عند كل إنسان ، إلا إنه يحتاج في تسليم هذا ومعرفته إلى مقدمتين ونتيجة ، بل العلم به أول والتسليم له ضرورة ، لا لشئ إلا ليتخلص من عوارض الدنيا وكلف الحياة وضرورات الطبيعة ومطالب الحواس ، ولو أدرك بقوته شيئا وعقله وحكم به ، لصمد نحوه ، وطلب الانتساب إليه ، والاشراف