أبي حيان التوحيدي
216
المقابسات
قال : والإشارة في هذين الفصلين بينة مكشوفة ، ومتى لم تقف عليها من تلقاء نفسك بضياء عقلك وذكاء قريحتك ، فصل إليها من جهة أرباب الحكمة وأعلام الفلسفة ، فإنك متى جربت هذه الاعراض ، وتخللت هذه المعارف ، وثبت على سمة العدل ؛ تكنفتك الخيرات عاجلا ، والسعادات آجلا ، فتكون حينئذ موجودا وإن عدمت ، وباقيا وإن فنيت ، وحاصلا وإن فقدت ، وثابتا وإن نفيت ، ومغبوطا وإن رجمت ، وحيا وإن مت ، وظاهرا وإن بطنت ، وجليلا وإن خفيت ، وواضحا وإن أشكلت ، وشاهدا وإن غبت ، وقادرا وإن عجزت ، ومعروفا وإن أنكرت ، وعالما وإن جهلت ؛ هناك تصل إلى غنى بلا قنية ، وتنطق بلا عبارة ، وتفعل بلا آلة ، وتصيب بلا مشورة ، وتعقل بلا مقدمة ، وتبقى بلا آفة ، وتلتذ بلا استحالة ، وتنال بلا كدح ، وتحيا بلا أذية ، وتسعد بلا شؤم ؛ إلهية ورثتها من البشرية ، وربوبية وصلت إليها من العبودية ، ومملكة استوليت عليها بالإنسية ، وحال جلت عن رقم قلم وتزويق حبر ، واستقصاء بيان ، وتخيل وهم ثم قال : وقد مر الكلام فيما تقدم عن حال الانسان في وجوده الثاني عن السعادة التي حصلت له ، والحبور الذي ظفر به قال : وإنما تلطف هذا القول عليك لأنك تنظر إلى هذا الانسان من قبل وهو في أستار الحس ، وحد الجسم ، وقشور البدن ، وتحلل التركيب ، وتصرف الطبيعة ، وسيلان الطين ، وذوبان العنصر . هذا مع سوء الاختيار ، وفساد العقيدة ، وقلة إيثار العفة والنجدة ، والأخذ بالرخصة بعد الرخصة في مساعدة الشهوة ، وتسلط الإرادات المردية المهلكة ! ومتى يكون لهذا مرجوع وثمرة وفايدة ؟ ولعمري لو قدس نفسه ، وباين هواه ، واختار الحق معتقدا ، وآثر الخير مجتهدا ، ونال من ضرورات الطبيعة مقتصدا ، لانتعشت روحه ، واستنار عقله ، وذكت بصيرته ، وصفت قريحته ،