أبي حيان التوحيدي
195
المقابسات
والارتداع . وهذا منه في ذوى الإحساس ظاهر معروف ، وقائم موجود . وليس كذلك الأمر في المعاد إذا فرض من جهة العقل ، لأن العقل ، لا يعتريه الملل ، ولا تصيبه الكلفة ، ولا يمسه اللغوب ، ولا يناله الصمت ، ولا يتحيفه الضجر . وهكذا حكمه في الشاهد الحاضر ، والعيان القاهر ، لولا عقل النصيبي ونظرائه ! ألم يعلم أنه كان في هذه الدار على شوبها وفسادها وكدرها وثبورها كان العقل لا يكلّ معقوله أبدا ، ولا ينقضى منه أبدا البتة ، ولا يطلب الراحة عنه بوجه ، بل كان العقل إذا وجد معقوله وتوحد به ، صار هذا قد أحيا ، لا يوجد بينهما بين بحال ، فكيف إذا كان المنقلب إلى عالمه الصرف الذي لا حيلولة ولا تغير له ، وهو الوجود المحض ، والأمر الصرف ، والشئ الذي كلما عرفته بالصفة بعد الصفة ، كان عنها أعلى ، وكلما أوضحته بالعبارة [ بعد العبارة ] كان عنها أخفى وأطال هذا الفصل وعلقت من جمعيه قدر ما قررته في هذا المكان ، ولعلك تجد به ما أكون منصورا فيه عندك ، غير ملوم على إساءتك ، وفي الجملة القول في حصول النفس بعد خلع الحد الذي خص به الانسان صعب ، ولولا أمثلة توضح إيضاحا يثق به الانسان مرة بعد مرة لكان باب معرفة حالها قد أرتج ، والطريق قد سدّ ، وقد بين هذا كله بالبرهان المنطقي في مواضعه المعروفة ، إن كانت الثقة تقع كذلك ، فاما هذا المقدار فإنه جرى في عرض مقابسة هؤلاء المشايخ بينهم بالحديث والاسترسال ، فليكن العذر فيه مقبولا عندك بحسب الحال التي قلبت ظهرها لبطنها لك ، مرة بعد أخرى ، فهذا الولوع منى بالاعتذار إحساس بالتقصير ، أما من جهتي فلسوء الرواية ، وأما من جهتك فلقلة الدارية ، فأنا أسأل اللّه رب العالمين أن يفرغنى لبلوغ غاية هذا الأمر بقية عمرى ، فإنها فيما إخال قليلة ، وما يرجو المرء بعد الالتفات إلى خمسين حجة قد أضاع أكثرها ، وقصر في باقيها ؟ إذا أراد اللّه نجاة عبد تولاه بلطف من عنده