أبي حيان التوحيدي
176
المقابسات
ثم قال : ما زاد أيضا مثاله ، هذا حكمه ، كقولك : تدحرج ، واحرنجم : والانسان له في كل شئ من هذه الأشياء شكل يباين شكله الآخر ضربا من المباينة ، يشعر به مرة ويسهى عنه أخرى ، ومجموع الأفعال فعل يحدث بك من غيرك ، مثل ما يحدث لغيرك منه ، مثاله : ضرب ، وضرب يحدث بك منك ، مثاله : حسن وسمع ، وضرب يحدث فيك ، مثاله : خجل ووجل ، ونسي ، وفي نوع ما يحدث بك ما يجوز أن يؤمر به وأن ينهى عنه ، مثاله : أشجع ولا تجبن ، واعلم لا تجهل ، وهاهنا ضرب تحدث أنت فيه أو تحدث به ، مثاله : كن وجد واعدم ، وإذا حققت النظر كانت المطاوعة أغلب على جميع هذه الضروب إلا ما تميز عنها ، ولم يلتبس بها إلى هاهنا حصل ما اتصل بما كنا فيه ، وكرهت اختزاله عنه ، وأعود فأتمم صدرا بدأت به في هذه المقابسة بعجزه ، نعم فبادرت بالجواب إلى أبى سليمان وقصصته قراءة عليه فقال : هذا حسن مقبول ، ويدل [ على ] أن ما سمعته من هذا الشيخ ، غيض من فيض ، وشرارة من حريق ثم قال : وإنما يصح قوله هذا إذا لخص المعنى الذي خصت الطبيعة به من قبولها من النفس ، وانقيادها لتصريفها وانفعالها بتفعيلها ، فإن الطبيعة كالهدف لما عنى النفس ، وكالشىء الشاحى فاه المنتظر لما يلقى اليه ويرسم له ، لا يتعدى حكمه ، ولا يعصى أمره ، ولا يخالف نهجه ، وهذا شأن النفس مع العقل ، ولكن أعلى من هذا ، لأن الفيض الأول والجود الأول لا واسطة له ولا شوب ولا عارض عليه ، ولا كره فيه ولا اختلاف ، ولا تزاحم ولا اختلاط ، ولا تدافع ولا اعتراض ، بل على نوع الخلوص وما يزيد على ما يقع في النفوس ، ثم التنزيل والتدريج والتوشيح يفيض ذلك كله في الطبيعة بصباباتها وسفافاتها ، وبقوافيها ومعانيها وتظهر عند