أبي حيان التوحيدي
147
المقابسات
قيل له : فلم كان الموت على هذا أولى بالانسان من الحياة ؟ فقال : لأن الموت طبيعي ، وكل طبيعي لا محيص عنه . وإنما أطلقت الكلام الأول لأنك ترى من نجا من الموت بشيء ، به يخلص غيره إلى الموت ! فلو أستطيع حصر هذه الأبواب : ما به يموت من يموت في عدد ما به يحيى من يحيى ! ثم قال : وهاهنا موت طبيعي معرف به ، وفي مقابلته حياة طبيعية ؛ وهكذا أيضا هاهنا موت عرضى ، وفي مواجهته حياة عرضية . فالموت الطبيعي قد قامت منه الشهادة من الكافة . فأما الحياة الطبيعية « 1 » فحياة العقل بالمعقول ، والموت بالعرض الجهل الشائع في الانسان . وأما الحياة العرضية فحس الانسان وحركته بسلامة بدنه ، وسكون أخلاطه ، وقوة طبيعته ، وتصرف سائر ما هو مركب من جهته . ثم قال : ومن فتح اللّه بصيرة عقله ولحظ هذه الحقائق ، ترقى في درجات المعارف ، وسلاليم الفضائل ، وانتهى إلى أفق الروح والراحة ، ونجا من هذه المعادن التي هي معادن العطب والتلف ، ومساكن الآفات والهلاك وتفجر في هذا الفصل بكل كلام شريف ، وكل موعظة حسنة ، وكان من القادرين على أمثاله ، وممن قد أيده اللّه بتوفيقه ومعونته 9 مقابسة [ في ولوع كل ذي علم بعلمه ، ودعواه أن ليس في الدنيا أشرف من علمه ] سأل أبو محمد الأندلسي النحوي « 2 » عيسى بن علي بن عيسى الوزير « 3 » وأنا عنده فقال :
--> ( 1 ) بياض بالأصول التي بأيدينا ( 2 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 58 ( 3 ) هو أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن داود بن الجراح ، كان أبوه علي بن عيسى - من الوزراء الكفاة في عهد الخليفة المعتضد العباسي ببغداد . وكان عيسى هذا على علم وفضل وتقدم في علوم الأوائل وغيرها . قرأ المنطق على يحيى بن عدي وتخرج به وتمهر بملازمته ، كما سمع الحديث والفقه والأدب على أئمة عصره حتى خرج إماما يقتدى به ، ورأسا يشار اليه ، وتصدر في ديوان الرسائل وقام بأعباء الكتابة السلطانية . وكان جيد الخط حتى قالوا إنه من بابة أبى علي بن مقلة في القوة والجريان والطريقة . توفى ببغداد سنة 391 ه .