أبي حيان التوحيدي

139

المقابسات

3 مقابسة [ في أن الانسان قد يجمع أخلاقا متباينة ] جرى عند ابن سعدان « 1 » يوما كلام في الاخلاق ، وحضره جماعة منهم عيسى بن ثقيف الرومي أبو السمح ، وغير هؤلاء من مشايخ النصارى ، وكانوا متحرمين بالفلسفة ومحبين لأهلها ، وكان محصول ذلك : من أراد أن يكسب نفسه هيئة جميلة ، وسجية محمودة ، بتهذيب الأخلاق وتقويمها وتطهيرها من الأدناس التي نعتريها ، تقسمه أمران متباينان : أحدهما عسر ذلك وإباؤه ، وتعذره والتواؤه ، فيظن لذلك أن الأمر الذي يحاوله معجوز عنه ، وأنه غير مقدور عليه ، وأن الوصول إليه محال . والآخر استجابة ذلك وانقياده ، ومطاوعته وإمكانه ، فيظن لذلك أن الغاية التي يؤمها باجتهاده وقصده ورأيه وعزمه ، دانية معرضة سهلة قريبة . والمثال على هذا من الشاهد في أخلاق الانسان موجود من اعتبار أمر البدن . وذلك أن الانسان إذا قصد نظافة بدنه ، وتدليك أعضائه ، وتقليم أظفاره ، ونفى القذى عن عينيه ، وتسريح شعره ، وترجيل جمته ، وتنقية أرفاغه وإزالة الدرن عن مغابنه بيده ويد غيره ، والقيم في الحمام وغيره ، وقدر على ذلك ووجد السبيل إليه سهلا حتى يخرج من الحمام ناضر البدن نقى الأطراف قد اكتسب صاحبه صباحة ونظافة وضياء وخفة ظاهرة من ثقل ما كان راكبه وملازمه من الوسخ والدرن ، فإن أراد بعد ذلك أن يحوّل فطس أنفه قنا ، وزرقة عينه حورا ، ولفف لسانه استمرارا ، أراد المحال ، وحاول

--> ( 1 ) أنظر ترجمه فيما سبق من هذا الكتاب ص 12