أبي حيان التوحيدي
137
المقابسات
بحليته . وكذلك خبر اللّه نقصهم في علمهم بفوائد نالوها ، ومنافع حازوها ، وأوطار قضوها بسببها ، فاما من أراد معرفة هذه الخفايا والاسرار ، في هذه الأجرام والأنوار ، على ما هيئت له ، وعبئت عليه ، ونظمت به ، ورتبت فيه ، وزينت بمحاسنه ، فهو حرى جدير أن يعرى من جميع ما وجده صاحب كل علم من المرافق والمنافع - على ما اتسع القول به في فاتحة هذه المقابسة - وينفرد بحكم من رتبها على ما هي عليه ، غير مستفيد بذلك فائدة ولا جدوى . وهذه لطيفة متى وقف عليها حق الوقوف ، وتقبلت حق التقبل ، كان المدرك لها أجل من كل طلب وإن عز ، لأنها بشرية صارت إلهية ، وجسمية استحالت روحانية ، وطينية انقلبت نورية ومركب عاد بسيطا ، وجزء حال كلا . وهذا فن قلما يهتدى إليه ، ويتنبه عليه ثم إني بعد هذا كله قلت لأبى سليمان - في خلوة - أيها الشيخ ، تكررت في هذه المسألة كلمات جافية بشعة ماينة مكروهة ، لا أراها تسلّم أو تسلم ؟ قال : ما هي ؟ قلت : مثل قول القائل : مشاكها لربه ، ومناسبا لباريه ؛ ومثل قوله : نعته لصق به ، وحكمه لزمه ، وحليته بدت منه ، وصفته عادت عليه ! فقال : لعمري إن تقديس الباري يمحق هذا كله ويذهب به ، ويطرحه وينفيه ، ولكن إذا عرفه وأشار إليه وكنى عن ربوبته ، وأفصح عن إلهيته ، لم يجد بدا من هذه الكلمات التي هي ألطف ما في ملكه ، وأشرف ما في قوته والمراقى التي هي فوق المرام التي تتراسل بين الخلق في عباراتهم وإشاراتهم لكنها مستعارة في حمى التوحيد وحرم المعرفة ، مرفوعة المقادير عما يدنسها ويذيلها ، ويفسدها ويحيلها ، على عادة أهل اللسان في الأسماء والصفات والحروف والاحداث ، وإنما يوحى إلى هذه الغايات بهذه العبارات إيحاء ، لأنها تفوت ذرع القول كما تفوت ذرع العقل ، وتسبق ظن المقدر كما تسبق وهم المستشعر . وهذا اضطرار اشترك جميع أهل اللغات فيه عند إخبارهم عن