أبي حيان التوحيدي
13
المقابسات
الدنيا وما يمرح فيه الجاهلون والمنقوصون ، ومن لا يساوى منهم شراك نعله ، من الجاه العريض ، والدنيا المقبلة ، والحظ المواتى ، والسلطان الكبير والنفوذ العظيم ، ومقارنة ذلك بما هو عليه من البؤس والشقاء ، وشظف العيش ، وتكفف الكريم ، واستجداء البخيل واللئيم ، على سعة فضله ، وإحاطته بما يلهج به الناس من المعارف في وقته ؛ فتثور به ثائرة التحسر على القدر ، ويعتوره مرار الغضب على الأيام ، فيعلن الشكوى من زمانه ، ويبكى في تصانيفه على حرمانه . انظر اليه وقد صحب الوزيرين أبا الفضل ابن العميد والصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عباد ، زمنا فلما لم يرضياه ، ولم يبلغاه من الدنيا مناه ، تتبع عوراتهما ، وتحس سوءاتهما ، ثم أنشأ فيهما كتابا كان سببا في نفور الناس عنه ، وتباعدهم منه ، لأن الصاحب بن عباد بما كان له من واسع السلطة والعطايا الدارّة على الأدباء والعلماء وأهل الفضل ؛ قد سلط عليه كل ذي لسن وبيان ، فتصدوه بالإساءة من سائر نواحيه حتى أخملوا ذكره ، وغمروا اسمه ، وجعلوه طريدا شريدا لا ياويه حجر ، ولا يسكن إلى مدر ، وحتى قال ياقوت : ولم أر أحدا من أهل العلم ذكره في كتاب ، ولا دمجه في ضمن خطاب ، وهذا من العجب العجاب على أن سوء المعاملة التي لقيها من الصاحب وهو عنده ، والتي دونها في كتابه - الذي سنورد عليك شيئا منه - جدير بها وبما هو من نوعها أن تثير الحجر الأصم ، وأن تغضب أكثر الناس اعتصاما بالحلم ، فضلا عن مثل أبى حيان الدقيق الشعور ، القوى الاحساس . ومن الأمور الطبيعية التي لا نزال نراها في كل يوم أن من كان في مثل ما كان عليه أبو حيان علما وفضلا ، وفي مثل حاله بؤسا وفقرا ، أغلب أن تستولى المرة السوداء عليه ، فيرى أن ما في أيدي الناس من النعم والأموال ، وما ينعموا به من الجاه والسلطان ، قد كان ذلك من حقه دون غيره من سائر الخلق ، فإذا