أبي حيان التوحيدي
127
المقابسات
وكان من هذا الوجه فقيرا إلى ما يمده ويشده . وأما سنخه وسوسه « 1 » فهو موجود ثابت ، مقابل لذلك العالم الموجود الثابت . وإنما عرض ما عرض لأن أحدهما مؤثر ، والآخر قابل ، فبحق هذه المرتبة ما وجد التباين ، وبحق تلك المرتبة ما وجد التواصل . وقال آخر : وقد يغفل ، مع هذا كله ، المنجم اعتبار حركات كثيرة من أجرام مختلفة ؛ لأنه يعجز عن نظمها وتقويمها ، ومزجها وتسيرها ، وتفسير أحوالها ، وتحصيل خواصها ، مع بعد حركة بعضها ، وقرب حركة بعضها ، وبطئها وسرعتها ، والتفاف صورها ، والتباس مقاطعها ، وتداخل أشكالها ، ومن الحكمة في هذا الاغفال أن اللّه تقدس اسمه ، يتميز بذلك القدر المغفل ، والقليل الذي لا يؤبه له ، والكثير الذي لا يحاول البحث عنه ، أمرا لم يكن في حساب الخلق ، ولا فيما علموا فيه القياس واختلط بالتقدير والتوهم قال : ولهذا يحكم هذا الحاذق في صناعته لهذا الملك ، وهذا الماهر في علمه لهذا الملك ، ثم يلتقيان فتكون الدائرة على أحدهما ، مع شدة الدفاع ، وصدق المصاع « 2 » . هذا وقد حكم له بالغلب والظّفر . قال في هذا الموضع النوشجاني : إنما يؤتى أحد الحاكمين لاحد الملكين ، لا من جهة غلط في الحساب ، ولا [ من ] قلة مهارة في العمل ، ولكن يكون في طالعه أن يصيب [ في ] ذلك الحكم ، ويكون في طالع ذلك الملك ألا يصيب منجمه في تلك الحرب ؛ فمقتضى حاله وحال صاحبه يحول بينه وبين الصواب ، ويكون الآخر مع صحة حسابه وحسن إدراكه ، قد وجب في طالع نفسه وطالع صاحبه ضد ذلك ، فيقع الأمر الواجب ، ويبطل الآخر الذي ليس بواجب . وقد كان المنجمان من جهة العلم والحساب أعطيا الصناعة حقها ، ووفيا ما عليهما [ فيها ] ووقفا موقفا واحدا على غير مزية بينة ؛ ولا علة قائمة
--> ( 1 ) السنخ والسوس : الأصل والجرثومة ( 2 ) المصاع : المجالدة بالسيوف عند التحام الصفوف