أبي حيان التوحيدي
122
المقابسات
راغب ، ونضح عن عرض ، وحسم مادة من طمع ، وقلب حال عن حال حتى تضم بها أمور منتشرة ، وتندمل بها صدور منفطرة ، وتتسق بها أحوال متعاندة ، وتستدرك بها حسرات فائته ، وتخمد نيران ملتهبة . وكالصناعات كلها : كالهندسة في شرفها ، والهيئة في علو رتبتها . وحدود هذه العلوم بعيدة ، وفوائدها جمة . وليس هذا القدر آتيا على حقائقها ، ولكنه مشير إلى موضع المسألة والبحث عنها . فقد وضح لكل ذي حس مقيد ، وعقل متأيد ، ورأى صحيح ، وذكاء صريح ، أن هذه العلوم كثيرة المنافع ، عامة المصالح ، حاضرة المرافق . وأن الناس لو خلوا منها ، وعروا عنها ، لتبدد نظامهم ، وانقطع قوامهم ، وكانوا نهبا لكل يد ، وحيارى طول الأبد . وليس علم النجوم كذلك ! فإن صاحبه وإن استقصى ، وبلغ الحد الأقصى ، في معرفة الكواكب وتحصيل مسيرها ، واقترانها ورجوعها ، ومقابلتها وتربيعها ، وتثليثها وتسديسها ، وضروب مزاجها في مواضعها من بروجها وأشكالها ، ومقاطعها ومطالعها ، ومشارقها ومغاربها ، ومذاهبها ، حتى إذا حكم أصاب ، وإذا أصاب حقق ، وإذا حقق جزم ، وإذا جزم حتم ، فإنه لا يستطيع البتة قلب عين شئ ، ولا صرف أمر إلى أمر ، ولا تنفير حال قد دنت ، ولا نفى ملمة قد كتبت ، ولا دفع سعادة قد أجمّت وأظلت . أعنى أنه لا يقدر على أن يجعل الإقامة سفرا ، ولا الهزيمة ظفرا ، ولا العقد حلا ، ولا الابرام نقضا ، ولا الإياس رجاء ، ولا الاخفاق دركا ، ولا العدو صديقا ، ولا الولي عدوا ، ولا البعيد قريبا ، ولا القريب بعيدا وهذا باب طويل ، والحديث فيه ذو شجون ، وكأن العالم به ، الحاذق فيه ، المتناهى في حقائقه ، بعد هذا التعب والنصب ، وبعد هذا الكدو الدأب ، وبعد هذه الكلفة الشديدة ، والمؤنة الغليظة ، مستسلم للمقدار ، ومستجد