أبي حيان التوحيدي

104

المقابسات

حسبتك إنسانا على غير خبرة * فكشّفت عن كلب أكبّ على عظم لحا اللّه رأيا قاد نحوك همّتى * فأعقبنى طول المقام على الذّمّ فقال لي : يا أبا حيان ، ما الذي كنت تكتب ؟ قلت : الحكاية التي على ظهر هذا الكتاب . فأخذها وتأملها وقال : تأبى إلا الاشتغال بالقدح والذم وثلب الناس ؟ ! فقلت : ادام اللّه الا متاع [ بك ] شغل كل إنسان بما هو مبتلى به ، مدفوع إليه أبو الفتح بن العميد قال أبو حيان : قصدت مع أبي زيد المروزي دار أبى الفتح ذي الكفايتين فمنعنا من الدخول عليه أشد منع ، وذكر حاجبه أنه يأكل الخبز ، فرجعنا بعد أن قال أبو زيد للحاجب : أجلسنا في الدهليز إلى أن يفرغ من الأكل فلم يفعل . فلما انصرفنا خزايا أنشأ متمثلا ( بقول أبى نواس ) على خبز إسماعيل واقية البخل * فقد حلّ في دار الأمان من الأكل وما خبزه إلّا كآوى يرى ابنه * ولم ير آوى في الحزون ولا السّهل وما خبزه إلّا كعنقاء مغرب * تصوّر في بسط الملوك وفي المثل يحدّث عنها النّاس من غير رؤية * سوى صورة ما إن تمرّ ولا تحلى * * * قال أبو حيان - وقد رأيت في جامع الرصافة المعافى بن زكريا « 1 » ، وقد نام

--> ( 1 ) هو القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى النهرواني ، وكان من أعلم الناس بالفقه والنحو واللغة وصنوف الآداب ، وكان شافعيا على مذهب أبي جعفر محمد بن جرير الطبري . قال ابن روح : كان له أنسة بسائر العلوم . وقال أبو محمد الباقر : إذا حضر أبو الفرج فقد حضرت العلوم كلها ، ولو أن رجلا وصى بثلث ماله أن يدفع إلى أعلم الناس لوجب أن يدفع إلى المعافى بن زكريا . فانظر إلى حظ أهل العلم وأرباب الثقافة كيف كان في ماضي الدهر ، وقارنه بحظ أهل النوك والجهل في كل زمان تر العجب ؟ ولد سنة 303 وتوفى سنة 390 ه‍