أبو علي سينا

29

التعليقات

وتكون كلية وإن كانت للشخصى أسباب جزئية مشخصة له فإن لكل سبب جزئي مشخص مبدءا كليا يستند إليه ، فهو يعرف ذلك الجزئي أيضا بأسبابه ، ويعرف الأشياء الغير المتناهية على ما هي عليه من اللاتناهي بأسبابها ، ويعلم الزمان الغير الثابت الذي ينقضى شيئا فشيئا بعلله وأسبابه ، فإنه يعرف الفلك وحركته ويعلم أن ماله حركة فله عدد ومقدار ، وكل ماله عدد ومقدار فله دورات مقدرة . كل شخص يكون له معقول شخصىّ . فإذا علم ذلك بأسبابه وعلله تكون هذه الجملة كليا . فإنه كلما حصلت تلك العلل والأسباب وجب أن يكون ذلك الجزء فيقال إن هذا الشخص أسبابه كذا . وكلما حصلت هذه الأسباب كان هذا الشخصي أو مثله فيكون كليا بعلله . ومعقولات الأول كذلك : فإنه يعقل هذا الشخص بعلله وأسبابه ويعرف الأسباب السابقة لهذه الأسباب وإلى أن ينتهى إلى ذاته فيكون علمه محيطا بجميع الأشياء فلا يكون لعلمه تغير ، فإن معلومه لا يتغير ولا يزول بزوال ذلك الشخصي . الكلى الذي يلزم عنه الجزئي لا يفسد . فإنه يعلم أنه كلما كان كذا لزم عنه كذا ، وهذا الجزئي لازم عنه ذلك الكلى الذي في معلومه فلا يخفى عليه خافية . سبب وجود كل موجود علمه به وارتسامه في ذاته . وهو يعلم الأشياء الغير المتناهية فعلمه غير متناه . وقد يتشكك فيقال إن تلك الأشياء غير موجودة بالفعل بل بالقوة فبعض علمه يكون بالقوة أو يكون لا يعلمها فيقال إن كل شئ فإنه واجب بسببه وبالإضافة إليه ؛ فيكون موجودا بالفعل بالإضافة إليه . سبب وجود كل موجود هو أنه يعلمه ، فإذا علمه فقد حصل وجوده وهو يعلم الأشياء دائما . الأشياء كلها عند الأوائل واجبات وليس هناك إمكان البتة . وإذا كان شئ لم يكن في وقت فإنما يكون ذلك من جهة القابل لا من جهة الفاعل ، فإنه كلما حدث استعداد من المادة حدث فيها صورة من هناك ليس هناك منع ولا تخل . فالأشياء كلها واجبات هناك لا تحدث وقتا وتمتنع وقتا ، ولا يكون هناك كما يكون عندنا . وقد يتشكّك فيقال : إذن الأفعال كلها طبيعية لا إرادية ؟ فالجواب إن إرادتها على هذا الوجه ، إذ هو الدائم الفيض ، فالامتناع من جهة القابل . كلما حدث مزاج صلح لنفس فأحدث لا محالة نفسا ، أو استعدت مادة لقبول صورة نارية أو هوائية أو مائية أو أرضية حدثت فيها تلك الصورة من المبادي المفارقة ، فالقول بالتناسخ يبطل من هذا الوجه .