أبو علي سينا

18

التعليقات

ولو أن إنسانا عرف الكمال الذي هو حقيقة واجب الوجود ثم كان ينظم الأمور التي بعده على مثاله حتى كانت الأمور على غاية النظام ، لكان الغرض بالحقيقة واجب الوجود بذاته ، الذي هو الكمال . فإن كان واجب الوجود بذاته هو الفاعل ، فهو أيضا الغاية والغرض . كذلك لو عرفنا مثلا الكمال في بناء نبنيه ثم رتبنا أمور ذلك البناء على مقتضى ذلك الكمال ، كان الغرض ذلك الكمال . فإذا كان ذلك الكمال هو الفاعل ، كان الفاعل والغرض واحدا . ومثال هذه الإرادة فينا أنّا إذا تصورنا شيئا وعرفنا أنه نافع أو جذّاب ، حرّك هذا الاعتقاد والتصور القوة الشهوانية ، ما لم يكن هناك ترجح ولم يكن هناك مانع ، فلا يكون بين التصور والاعتقاد المذكور وبين حركة القوة الشوقية إرادة أخرى إلا نفس هذا الاعتقاد . فكذلك إرادة واجب الوجود ، فإن نفس معقولية الأشياء له على الوجه الذي أومأنا إليه هي علة وجود الأشياء ، إذ ليس يحتاج إلى شوق إلى ما يعقله وطلب حصوله . ونحن إنما نحتاج إلى القوة الشوقية ونحتاج في الإرادة إلى الشوق لنطلب بالآلات ما هو موافق لنا ، فإن فعل الآلات يتبع شوقا يتقدمه ، وهناك ليس يحتاج إلى هذا الشوق واستعمال الآلات ، فليس هناك إلا العلم المطلق بنظام الموجودات ، وعلمه بأفضل الوجوه التي يجب أن يكون عليها الموجودات ، وعلمه بخير الترتيبات . وهذا هو العناية بعينها ، فإنا لو رتبنا أمرا موجودا لكنا نعقل أولا : النظام الفاضل ثم نرتب الموجودات التي كنا نريد إيجادها بحسب ذلك النظام الأفضل وبمقتضاه . فإذا كان النظام والكمال نفس الفاعل ثم كان تصدر الموجودات عن مقتضاه ، كانت العناية حاصلة هناك ، وهي نفس الإرادة ، والإرادة نفس العلم . والسبب في ذلك أن الفاعل والغاية شئ واحد . [ عناية الواجب ] والعناية هي أن يعقل واجب الوجود بذاته أن الإنسان كيف تجب أن تكون أعضاؤه والسماء كيف تجب أن تكون حركتها ، ليكونا فاضلين ويكون نظام الخير فيهما موجودا من دون أن يتبع هذا العلم شوق أو طلب أو غرض آخر سوى علمه بما ذكرنا وموافقة معلومه لذاته المعشوقة له . فإن الغرض ، وبالجملة النظر إلى أسفل ، أعنى لو خلق الخلق طلبا لغرض ، أعنى أن يكون الغرض الخلق والكمالات الموجودة