أبو علي سينا

178

التعليقات

علة . وعليتها للوجود هي العلة بالحقيقة ، أو هي كونها علة بالحقيقة . ومثال هذا أن يكون واحد من الناس لا يريد شيئا أولا من جملة الأشياء التي تكون بإرادته ، ولا يكون ذلك الشئ . فإذا أراد ، كان . فحق أن يقال عند كونه إن ذلك الشئ وجد عن علته ، فأما أن يقال إن ذلك المراد حصل ، بعد أن لم يكن حاصلا ، فلا أثر للعلة في وجوده بعد أن لم يكن ، فلا تأثير لإرادته في سبق العدم لذلك المراد . وعلى عبارة أخرى ، إذا وجد شئ عن إرادة حاصلة ، فحق أن يقال إن ذلك الشئ موجود ، فعلته علة ذلك الشئ المراد من جهة حصول إرادته وحصول مراده . فأما حصول الإرادة والمراد بعد أن لم يكونا ، فلا تأثير للعلة فيه ، فإن مثل هذا الحصول واجب على ما ذكرنا ، فإن حصول الوجود هو متعلق بحصول العلة ، وكون العلة علة وجود الشئ من علته ، وكون العلة علة غير معنى العليّة من حيث هي علية . فكون العلة علة هو أن تصير علة ، والعلية غير ذلك ، وهو أنه علة . كما أن كون الوجود هو غير نفس الوجود ، فكون العلة علة هو مقابل لكون المعلول موجودا ، لا لمصير المعلول موجودا . فوجود العلة مقابل لوجود المعلول ، وصيرورة العلة علة مقابلة لصيرورة المعلول موجودا . ثم إرادة الفاعل ما يصير به الشئ موجودا ، لا ما يتعلق به وجود الشئ ، كأنّ الفاعل هو ما يصير فاعلا ، فتكون العلة هي ما تصير علة ، لا ما هو علة . فإن معنى قولهم : العلة ما يصير به الشئ موجودا ، هو ما يصير علة بعد أن لم يكن علة ، لا ما يتعلق به وجود المعلول . فوجود المعلول متعلق بعلية العلة مطلقا . وأما صيرورة وجود المعلول فمتعلق بصيرورة العلة علة . ثم إن أريد بالفاعل ما يصير به الشئ موجودا بالفعل ، فإفادة الوجود غير العلية ، بل هو صيرورة العلة علة . فإن أردت بكل واحد من قولنا العلية ، ومن قولنا صيرورة العلة علة ، غير ما أريد بالآخر ، وهو الحق - كانت العلية لا نسبة لها إلى ما صار موجودا بعد أن لم يكن موجودا ، بل العلية مقابلة لوجود الشئ . وكل موجود متعلق الوجود بالغير ، ذلك الغير مباين له ، فذلك الغير هو فاعل ذلك الوجود ، سواء كان صدور ذلك الموجود عنه دائما أو وقتا ما . الغاية أيضا علة مباينة للمعلول ، لكن الغاية والفاعل في واجب الوجود هما واحد ، فهو الفاعل والغاية . الوجود المستفاد من الغير : كونه متعلقا بالغير ، هو مقوم له ، كما أن الاستغناء عن الغير مقوم لواجب الوجود بذاته . والمقوم للشئ لا يجوز أن يفارقه ، إذ هو ذاتي له .