أبو علي سينا

176

التعليقات

منها قوة بها تقبل الوجود من الأول ، فإمكان وجودها في ذواتها لا في شئ آخر ، وهي غير مادية بل هي معان بسيطة . [ الفرق بين المبدع والمحدث ] الأشياء التي لا يسبق وجودها عدم هي المبدعات ، والتي يسبق وجودها عدم هي المحدثات . وكل شئ لا تعلق له بمادة فلا يصح أن يسبقه عدم . ومثل ذلك يكون إمكان وجوده في ذاته لا في غيره . [ المعدوم والمطلق ] المعدوم على الإطلاق لا قوة فيه يقبل بها الوجود من موجده ، فلا يوجد البتة . وليس كذلك الممكن ، فإن فيه قوة ، فلذلك يوجد ، ولولاها لما كان يوجد . [ حقيقة النفس الإنسانية ] النفس الإنسانية جوهرة قائمة بذاتها ، لا تنطبع في مادة ، بل هي مفارقة . وإنما احتاجت إلى هذا البدن لأن إمكان وجودها لم يكن في ذاتها ، بل مع هذا البدن ، واحتاجت أيضا إلى البدن لتنال به بعض استكمالها . لو لم تكن النفس حادثة لما احتاجت إلى البدن . [ البحث عن حال الممكن ومعلوليته ] البحث عن حال الممكن : كل ما هو ممكن الوجود في ذاته فإنه يجب وجوده بغيره . والمفهوم من هذا القول ، وهو أنه يجب وجوده بغيره ، معنيان : أحدهما أن يوجد شئ سببا ، كما يوجد إنسان بيتا ، والثاني أن يتعلق وجوده بالموجود ويبقى وجوده به ، مثل الضوء الذي يبقى في الأرض مع قيام الشمس . وعند الجمهور أن الموجد هو الذي يوجد سببا ، فإن حصل وجوده ، استغنى عن الموجد . ويحتجون بأن ما حصل وجوده ، استغنى عن الموجد ، فإن الموجد لا يوجد ثانيا . ويمثلون لذلك مثالا بأن الباني إذا بنى بيتا لم يحتج البيت إلى الباني ثانيا . وتبطل حجتهم بأنه لا يقول أحد إن الموجد يحتاج إلى موجد يوجده ثانيا ، لكن يحتاج إلى مستبقيه ، وأما مثال البيت ففيه غلط ، فإن البناء ليس هو علة لوجود البيت ، بل هو سبب لتحريك أجزاء البيت إلى أوضاع مختلفة يحصل منها صورة البيت ، وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع تلك الأجزاء ، والاجتماع علة لشكل ما . وحافظ تلك الأجزاء على ذلك الشكل هو طبائعها التي تحفظ بها تلك الأجسام أمكنتها . وأيضا الموانع التي تمنع بعض الأجزاء من الحركة إلى أماكنها الطبيعية ، كالأعمدة والأساطين والحيطان الممسكة للسقوف ، فإن كل علة مع معلولها ، لأن البناء علة للحركة ، فإذا فقد البناء من حيث هو بناء ومحرك ، فقدت الحركة ، وفقدان الحركة نفس انتهائها ، وانتهاؤها علة لاجتماع الأجزاء ، واجتماعها على وضع ما علة لأن يحفظ بعض تلك الأجزاء أماكنها الطبيعية ، وبعضها يمنع عن زوال بعضها عن أماكنها ، كاللّبن