أبو علي سينا

16

التعليقات

العناية : هو أن يوجد كل شئ على أبلغ ما يمكن فيه من النظام . [ إرادة الواجب ] بيان إرادته : هذه الموجودات كلها صادرة عن ذاته ، وهي مقتضى ذاته ، فهي غير منافية له ، وأنه يعشق ذاته ، فهذه الأشياء كلها مرادة لأجل ذاته . فكونها مرادا له ليس هو لأجل غرض بل لأجل ذاته ، لأنها مقتضى ذاته ، فليس يريد هذه الموجودات لأنها هي ، بل لأجل ذاته ولأنها مقتضى ذاته . مثلا لو كنت تعشق شيئا لكان جميع ما يصدر عنه معشوقا لك لأجل ذات ذلك الشئ ، ونحن إنما نريد الشئ لأجل شهوة أو للذة ، لا لأجل ذات الشئ المراد . ولو كانت الشهوة واللذة أو غيرهما من الأشياء شاعرة بذاتها وكان مصدر الأفعال عنها ذاتها ، لكانت مريدة لتلك الأشياء لذاتها لأنها صادرة عن ذاتها ، والإرادة لا تكون إلا لشاعر بذاته . فكل ما يصدر عن فاعل فإنه إما أن يكون بالذات أو بالعرض . وما يكون بالذات يكون إما طبيعيا وإما إراديا . وكل فعل بصدر عن علم فإنه لا يكون بالطبع ولا بالعرض ، فإذن يكون بالإرادة . وكل فعل يصدر عن فاعل والفاعل يعرف صدوره عنه ويعرف أنه فاعله ، فإن ذلك الفعل صدر عن علمه . وكل فعل صدر عن إرادة فإما أن يكون مبدأ تلك الإرادة علما أو ظنا أو تخيلا . مثال ما يصدر عن العلم فعل المهندس أو الطبيب . ومثال ما يصدر عن الظن : التحرز مما فيه خطر . ومثال ما يصدر عن التخيل : إمّا أن يكون طلبا لشئ يشبه شيئا عاليا ، أو طلبا لشئ يشبه شيئا حسنا ، ليحصله لمشابهته للأمر العالي أو الأمر الحسن . ولا يصح أن يكون فعل واجب الوجود بحسب الظن أو بحسب التخيل ، فإن كل ذلك يكون لغرض ويكون معه انفعال ، فإن الغرض يؤثر في ذي الغرض ، فإذن ينفعل عنه . وواجب الوجود بذاته واجب من جميع جهاته ، فإن حدث منه غرض فلا يكون من جهة انفعاله عن الغرض واجب الوجود بذاته . فإذن يجب أن تكون إرادته علمية . والأولى بنا أن نفصل هاهنا أمر الإرادة : نحن إذا أردنا شيئا فإننا نتصور ذلك الشئ - إما ظنيا أو تخيليا أو علميا - أن ذلك الشئ المتصور موافق ، والموافق هو أن يكون حسنا أو نافعا . ثم يتبع هذا التصور والاعتقاد شوق إليه وإلى تحصيله . فإذا قوى الشوق والإجماع حركت القوة التي في العضلات الآلة إلى تحصيله ، ولهذا السبب تكون أفعالنا تابعة للغرض . وقد بينا أن واجب الوجود تام بل فوق التمام ، فلا يصح أن يكون فعله لغرض ، ولا يصح أن يعلم أن شيئا هو موافق له فيشتاقه ثم يحصله . فإذن إرادته من جهة العلم أن يعلم أن ذلك الشئ في نفسه خير وحسن ،