أبو علي سينا

156

التعليقات

الأول لا يستفيد علم الموجودات من وجودها ، فإنه يفيدها الوجود ، فهو يعقلها فائضة عنه . ففي عقله لذاته عقله لها ، إذ هي لازمة له . هو يوجدها معقولة ؛ لا يوجدها من شأنها أن تعقل . [ علم الواجب ] فإن قال قائل : إنه هل يعلمها قبل وجودها حتى يلزم من ذلك إما أن يعلمها وهي في حال عدمها ، أو يلزم إما أن يكون يعلمها عند وجودها حتى يكون يعلمها من وجودها ؟ - كان قوله ذلك محالا ، لأن علمه بها هو نفس وجودها ، ونفس كون هذه الموجودات معقولة له هو نفس كونها موجودة . وهو يعلم الأشياء ، لا بأن تحصل فيه فيعلمها كما نعلم نحن الأشياء من حصولها ووجودها ، بل حصولها هو علمه بها . ويعلمها بسيطة ، لا بأن يعلم الأسباب ويجمعها فيستنتج منها العلم ، كما نحكم نحن بأن هذا كذا . وكل ما كان كذا فهو كذا ، فيكون في علمنا به تكرار واستنتاج للآخر من الأول ، بل يعلم هذه الأشياء من ذاته ولازمه ولازم لازمه ، فيكون يعلمها على ما هي موجودة عليه وعلى ما تكون موجودة عليه علما على ترتيب السّببىّ والمسبّبيّ . إن قيل : إذا كان الأول يعلم الأشياء من ذاته ، فهل يعلم أن بإزاء علمه وجودا من خارج ؟ - فالجواب : أنه يعلم الأشياء ولوازمها ولوازم لوازمها إلى أقصى الوجود على ترتيب السّببى والمسبّبى . ومن لوازم الأشياء أن لها وجودا من خارج ، فهو يعرفها على ما هي موجودة عليه ، فيعرف أن هذا سبب لذاك ، وأن ذاك سبب لذاك - معرفة بسيطة ، لأنه يعرف السبب أولا ، ثم يعرف بقياس أن ذلك السبب هو سبب لذلك المسبب كما نعرفه نحن ، فتتكرر معرفته بأن يعرف ذاك أولا ، ثم يعرفه ثانيا بأنه سبب . الأول يعلم الأشياء كلها على ما هي موجودة عليه ، لأن سبب وجودها هو علمه ، فلا يصحّ في علمه التكرار ، فإنه مثلا يعرف الإنسانية التي هي ذات ما وهي موجودة ، أي هي معلولة مرة واحدة ، لكنها متكثرة النسب . فالذوات محصورة متناهية ، والنسب غير متناهية . فإنه لو اجتمعت ألفا ذات ، ولكل واحدة منها نسبة إلى الأخرى فالنسب أيضا موجودة معها ، لأنها لا يتوقف وجود لوازمها على وجود شئ آخر ليس وجود تلك اللوازم في شئ ، فإذن تلك النسب موجودة له ، أي معلومة له ، لأن تلك الموجودات مجردة . وعلم اللّه يتناول كل ذات توجد مرة واحدة فإنه يعرفها ويعرف نسبتها ولوازمها ولوازم لوازمها ، ويعرف المشابهات بينها وبين غيرها ، فيحتاج مثلا إلى أن يعرفها بنسبة ما ، ثم يعرفها ثانيا بنسبة أخرى ، فيتكرر علمه لها . وكذلك نحن